تعريف التحقيق في الحوادث
التحقيق في الحوادث (بالإنجليزية: Incident Investigation) فحص منظم يُجرى بعد وقوع حادث في العمل، كإصابة أو ضرر بمعدات أو توقف مفاجئ، ليُعرف ما جرى ولماذا جرى، ويُحدد ما يمكن تغييره حتى لا يتكرر. وغرضه الوقاية لا تحديد من يُلام. فهو يسأل عن الظروف التي جعلت الحادث ممكنًا قبل أن يسأل عن الشخص الذي كان في موضعه.
وهو ممارسة في باب السلامة والصحة المهنية تضعها المنشأة لنفسها. وما يلي تعريف بالمفهوم الإداري، وليس إجراءً يقرره نص بعينه، ولا يقرر مسؤولية أحد عن حادث بعينه.
بماذا يختلف عن المفاهيم المجاورة؟
- الحالات الوشيكة: تتناول صفحة الحالات الوشيكة وقائع كادت تُحدث ضررًا ولم تحدثه، وتسجيلها وفئاتها. والتحقيق في الحوادث يتناول ما وقع فيه ضرر أو توقف، وقد يستعمل الأسلوب نفسه في فحص حالة وشيكة تستحق الاهتمام.
- إصابة العمل: تعرض صفحة إصابة العمل ما يرتبه نظام العمل على الإصابة من التزامات. والتحقيق فحص داخلي في الأسباب، لا في الاستحقاقات.
- التحقيق الإداري: هو الإجراء الذي تتثبت به المنشأة مما نُسب إلى عامل قبل أي قرار بشأنه، وتصفه صفحة التحقيق الإداري. وموضوعه شخص ونسبة، أما التحقيق في الحوادث فموضوعه واقعة وأسبابها. وإن ظهر في الأخير سلوك فردي أسهم في الحادث فالإجراء التأديبي مسار مستقل.
- تقييم المخاطر المهنية: ينظر تقييم المخاطر المهنية إلى الأمام ويتوقع الأخطار قبل وقوعها. والتحقيق ينظر إلى الخلف، وما يظهر فيه يعود إلى التقييم فيعدّله.
ما مراحله؟
هذه مراحل مقترحة منا، تختلف تفاصيلها بحسب نوع الحادث وحجم المنشأة، وليست نموذجًا معتمدًا:
- تأمين الموقع: رعاية المصابين وإبلاغ المختصين وعزل مكان الحادث بما لا يضيّع أدلته.
- حفظ الأدلة: صور وقياسات وسجلات الصيانة والتشغيل والمعدات المتأثرة وترتيب العمل في تلك اللحظة، قبل أن يعاد ترتيب المكان.
- جمع الإفادات: من شهد الحادث ومن شارك في العمل، كل بمفرده، بأسئلة مفتوحة تطلب وصف ما جرى لا الحكم عليه.
- بناء التسلسل الزمني: ما حدث قبل الحادث وفي أثنائه وبعده، بتواريخ وأوقات، وما تعارضت فيه الروايات.
- تحليل الأسباب: التفريق بين السبب المباشر وما أسهم فيه من ظروف والسبب الأعمق الذي لو زال ما أمكن أن يتكرر. وقد تكفي في ذلك أسئلة «لماذا» المتتابعة حتى يصل السؤال إلى قرار أو ترتيب يمكن تغييره.
- الإجراءات التصحيحية: لكل إجراء مسؤول وموعد.
- التحقق والمتابعة: أن يُتأكد أن الإجراء نُفّذ، وأنه أزال السبب لا مظهره.
- تعميم الدرس: أن يُعرف ما تعلّمته المنشأة لمن يعملون في مواضع مشابهة.
من يشارك فيه؟
تحدد المنشأة من يتولى التحقيق، ونقترح ألا يجريه وحده من وقع الحادث في نطاق إشرافه، فقد يميل إلى تفسير يُبعد المسؤولية عن عمله. فيشارك فيه من يعرف طبيعة العمل ومن لا يتبع من وقع الحادث عنده، وقد يشارك مسؤول السلامة والصحة المهنية إن وُجد في المنشأة، وتُعرض النتائج على لجنة السلامة إن كانت لدى المنشأة لجنة. ويُسمع من العاملين في الموقع، فهم يعرفون ما قد لا يظهر في أي سجل.
متى يستحق الحادث تحقيقًا موسعًا؟
لا تحتاج كل واقعة إلى تحقيق بالعمق نفسه. وقد تضع المنشأة معايير تقرر بها مستوى الفحص، ومن مداخلها: شدة ما وقع فعلًا، وشدة ما كان يمكن أن يقع لو اختلف التوقيت، وتكرار واقعة مشابهة في الموقع نفسه، وتعلق الواقعة بمعدات أو عمليات يعمل عليها عدد كبير من العاملين. ولا نقترح حدًّا رقميًّا لهذه المعايير، فتضعها كل منشأة بحسب طبيعة عملها وتعلنها قبل وقوع الحوادث لا بعدها، حتى لا يتحدد عمق التحقيق بحسب من وقع عليه الحادث.
ماذا يتضمن تقرير التحقيق؟
يُكتب التقرير بما يمكّن من لم يحضر الحادث من فهمه ومتابعته. ومن حقوله المقترحة:
- وصف موجز للحادث وتاريخه وموضعه والنشاط الجاري وقت وقوعه.
- من تأثر به ومن شهده، بحدود ما تقتضيه سرية بياناتهم.
- التسلسل الزمني وما اعتُمد عليه من أدلة.
- السبب المباشر وما أسهم فيه والسبب الأعمق، منفصلة بعضها عن بعض.
- الإجراءات التصحيحية لكل منها مسؤول وموعد وحال التنفيذ.
- ما يتعلق بغير هذا الموقع مما ينبغي تعميمه.
ولا يتضمن التقرير حكمًا على شخص بعينه، فإن اقتضى الأمر معالجة سلوك فردي كان ذلك في مسار مستقل.
مثال افتراضي: حادث انزلاق
لنفترض أن عاملًا في منشأة افتراضية انزلق على أرض مدهونة بزيت قرب خط التعبئة فالتوى كاحله. وتبين من التحقيق أن الزيت يتسرب من صندوق تروس في السير الناقل، وأن طلب إصلاحه فُتح قبل 5 أيام ولم يُغلق، وأن التنظيف أُجّل إلى آخر الوردية، وأن الموقع بلا لافتة تحذير، وأن الإضاءة في الوردية الليلية ضعيفة عند خط التعبئة.
فالسبب المباشر الانزلاق على الزيت. أما ما أسهم فيه فتسرب غير مُصلَح وتنظيف مؤجل وغياب التحذير وضعف الإضاءة. والسبب الأعمق، في تقدير المحققين، أن طلبات الصيانة لا تحمل أولوية تميّز ما يمس السلامة، فبقي هذا الطلب في الطابور مع غيره. وانتهى التحقيق بـ5 إجراءات: إصلاح صندوق التروس، وتركيب حوض يلتقط التسرب، وقاعدة تعطي أولوية لأي طلب صيانة يؤدي إلى أرض زلقة، وتنظيف فوري مع وضع لافتة، وتحسين الإضاءة في الوردية الليلية. فالإجراءات الأول والثاني والخامس هندسية أي 3 ÷ 5 = 60%، والثالث والرابع إداريان أي 2 ÷ 5 = 40%، ومجموعها 100%. وتصنيف الإجراءات إلى هندسية وإدارية تصنيف عملي من عندنا، يوافق تقديم الضبط الهندسي على الإداري الذي تذكره صفحة تقييم المخاطر المهنية.
وبعد المدة التي حددتها المنشأة أُنجز 3 من الإجراءات الخمسة، أي 3 ÷ 5 = 60%، وبقي الثالث والخامس. فالذي لم يُنجز القاعدة التي تعالج السبب الأعمق وتحسين الإضاءة، وأولهما يستحق السؤال في المتابعة لأنه يعالج السبب الأعمق. والتفاصيل افتراضية وضعت للتوضيح، لا تمثل منشأة ولا واقعة، والنسب لا تقيس جودة التحقيق.
كيف يرتبط بتصميم العمل؟
قد يكون السبب الأعمق الذي يصل إليه التحقيق في ترتيب العمل لا في معدة بعينها: توزيع الورديات، وفواصل الراحة، وتوزيع المهام على الأفراد، وطريقة الإشراف. وتتناول صفحة الأرغونوميا هذا الترتيب من جهة ملاءمته لطاقة الإنسان. فإذا ظهر في التحقيق أن حادثًا وقع في آخر وردية مزدحمة، فقد يكون السؤال عن جدول العمل لا عن العامل الذي أصيب فيه.
كيف يُساء التحقيق؟
- أن يقف عند الخطأ البشري: فيُكتب أن العامل أهمل ثم يُغلق الملف، دون أن يُسأل لماذا كان الإهمال ممكنًا، وأي ترتيب جعله ممكنًا.
- أن يتحول إلى بحث عن مذنب: فقد يتعلم العاملون إخفاء ما يعرفون، فتقل الإفادات الصادقة في الحوادث التالية.
- أن يتأخر: فتتغير معالم الموقع وتضعف ذاكرة الشهود.
- أن يقتصر على العَرَض: كإضافة لافتة بعد حادث سببه تسرب لم يُصلح.
- أن يُغلق دون تحقق: فتُسجَّل إجراءات لا يتأكد أحد من تنفيذها.
- أن لا يعود إلى من أبلغ: فمن رأى ما حدث ولم يُخبر بما ترتب على إفادته قد يصمت في المرة القادمة.
ما موضعه من نظام العمل؟
تلزم المادة 122 من نظام العمل صاحب العمل بأن يتخذ الاحتياطات اللازمة لحماية العمال من الأخطار والأمراض الناجمة عن العمل وعن الآلات المستعملة، وتوجب المادة 123 منه أن يحيط العامل قبل مباشرة العمل بمخاطر مهنته. وهي واجبات وقاية قائمة سواء وقع حادث أم لم يقع، وتفصّلها صفحة السلامة والصحة المهنية.
وتبدأ المادة 132 من نظام العمل فصل إصابات العمل بأن أحكامه لا تسري على المنشآت الخاضعة لفرع الأخطار المهنية من نظام التأمينات الاجتماعية، فيُسأل أولًا أين تقع المنشأة من هذا الاستثناء. وتحيل المادة 141 منه إجراءات الإبلاغ عن إصابات العمل إلى قرار من الوزير. وتنفّذ اللائحة التنفيذية لنظام العمل هذه المادة في مادتها 28 للمنشأة التي لا تخضع لفرع الأخطار المهنية: فيبلغ صاحب العمل مكتب العمل المختص عن إصابة عامل لديه خلال أسبوع من تاريخ علمه بها، ثم يتولى المكتب النظر في كونها إصابة عمل وما يتبع ذلك وفق المادة نفسها. أما المنشأة الخاضعة للفرع فمسار الإبلاغ فيها يرجع إلى قواعد التأمينات الاجتماعية، ولا نذكر له مدة ولا نبني على إجرائه حكمًا. والتحقيق الداخلي غير هذا الإبلاغ، فتحقيق المنشأة لا يغني عن الإبلاغ ولا يحل محله.
هل يلزم النظام بتحقيق في الحوادث أو بتقرير له؟
لا يحدد هذا التعريف مدة لإتمام التحقيق، ولا شكلًا لتقريره، ولا يقرر لجنة بعينها لإجرائه. ولم نقف في نص نظام العمل ولا في لائحته التنفيذية على إجراء مفصل لتحقيق المنشأة الداخلي في الحوادث أو على نموذج لتقريره، ولا نقترح شكلًا من عندنا يُنسب إلى النص. فما يُكتب في التقرير وكيف يُحفظ قرار تضعه المنشأة بحسب طبيعة عملها.
ويظل التحقيق في الحوادث وسيلة لتعلّم المنشأة من واقعة وقعت فعلًا. فهو يدل على ما يمكن تغييره، وما يُقرَّر بعد ذلك يُبنى على ما قاله العاملون في الموقع وعلى طبيعة العمل نفسه. ويتصل بنجاحه أن يشعر العاملون بأن قول ما جرى لا يُحسب عليهم، وهذا محور الأمان النفسي في العمل.
وما سبق تعريف بالمفهوم وبنصوص نظام العمل ولائحته التنفيذية حيث ذُكرت، لا استشارة نظامية.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.