تعريف الأرغونوميا
الأرغونوميا (بالإنجليزية: Ergonomics أو Human Factors) وتُعرف كذلك بـ«الهندسة البشرية لبيئة العمل» وتُكتب أيضًا «الإرجونوميا»، هي تصميم العمل وأدواته ومكانه وجدوله بما يلائم قدرات الإنسان وحدوده، بدل أن يُطلب من الإنسان أن يتكيّف مع تصميم لم يُبنَ عليه. فالسؤال فيها لا يتجه إلى العامل: لماذا لا يحتمل؟ وإنما إلى العمل: كيف صُمّم حتى صار احتماله صعبًا؟
ويعود اللفظ الأجنبي إلى أصل يوناني من كلمتين، إحداهما بمعنى العمل والأخرى بمعنى القوانين. ويتناول التعريف المفهوم وتصميمه، ولا يصف علاجًا ولا يشخّص حالة صحية لأحد.
ما ميادين الأرغونوميا؟
تقسم الجمعية الدولية للأرغونوميا ميدانها إلى ثلاثة محاور، ويُنظر بها إلى العمل الواحد من جهات متعددة:
- الجسدي: وضعية الجسم وحمل الأوزان وحركة اليدين وتكرارها، وملاءمة المقعد والمنضدة وارتفاع الشاشة لجسم من يعمل عليها.
- الذهني: ما يحتاجه العمل من انتباه وذاكرة وقرار، ووضوح الشاشات والأزرار والتعليمات، وعدد ما يُطلب من العامل أن يتابعه في وقت واحد.
- التنظيمي: جدول المناوبات وفواصل الراحة وتوزيع المهام وطريقة الإشراف، أي ما يجعل ترتيب العمل نفسه أقرب إلى طاقة الإنسان أو أبعد عنها.
ويُعرَف الخلل في كل محور بعلامات مختلفة. فالجسدي قد يظهر في شكوى من ألم يعود في موضع بعينه، والذهني قد يظهر في أخطاء تتكرر في خطوة بعينها، والتنظيمي قد يظهر في إرهاق يرتبط بجدول بعينه. وهذه علامات تستدعي الفحص ولا تثبت وحدها السبب.
ما الذي يفرّقها عن مفاهيم السلامة المجاورة؟
- الإطار الأوسع: تعرض صفحة السلامة والصحة المهنية الإطار الأوسع للوقاية من مخاطر العمل. والأرغونوميا جانب تصميمي داخل هذا الإطار، يعمل على ملاءمة العمل للإنسان.
- منهج الفحص: تقييم المخاطر المهنية منهج لفحص بيئة العمل وتقدير ما قد يضر وترتيب إجراءات السيطرة عليه. وما يتعلق بالجسد والجهد والوضعية فئة من الأخطار قد يشملها هذا المنهج، فالأرغونوميا موضوع قد يدخل في التقييم، لا بديل عنه.
- تصنيف الحالات: الأمراض المهنية تصنيف لحالات صحية تنشأ عن العمل. أما الأرغونوميا فتتناول جهة السبب، أي تصميم العمل الذي قد يرهق الجسم، ولا تحكم على حالة بأنها مهنية أو غير مهنية.
- الحماية من الخطر المتبقي: معدات الوقاية الشخصية أدوات تحمي العامل من خطر بقي في عمله. والأرغونوميا تبدأ بتغيير العمل نفسه، فإذا بقي خطر لم يُزل بالتصميم جاء دور المعدة.
- حال الموظف: الرفاهية الوظيفية حال الموظف من جوانبها المتعددة، وتتصل بالأرغونوميا في جانبها البدني حيث تدخل طبيعة الجلوس أو الحركة. لكن الرفاهية أوسع، وبرنامج الاشتراك الرياضي وحده لا يعالج محطة عمل مرهقة.
كيف يُنظر إلى محطة العمل؟
محطة العمل هي المكان الذي يؤدي فيه العامل مهمته بما فيه من مقعد ومنضدة وجهاز وإضاءة ومساحة حركة. ويبدأ فحصها من المهمة لا من الأثاث: ماذا يفعل العامل في هذا المكان؟ ما الأعضاء التي يستعملها؟ كم مرة؟ وبأي وضع؟ ثم يُنظر في أدوات المحطة بحسب الجواب. فمهمة إدخال بيانات طوال النوبة تستدعي النظر في ارتفاع الشاشة والمقعد وموضع لوحة المفاتيح، ومهمة رفع الصناديق تستدعي النظر في ارتفاع التناول وحجم الصندوق، لا في المقعد.
ومن بنود فحص المحطة المكتبية ارتفاع الشاشة بالنسبة إلى العينين، وإمكان ضبط المقعد، وموضع لوحة المفاتيح والفأرة، وموضع القدمين، والإضاءة وانعكاسها على الشاشة. وهذه بنود للفحص لا مقاييس معتمدة، وتُضبط أرقامها بحسب جسم العامل ومهمته.
مثال افتراضي: فحص قائمة من المحطات
لنفترض منشأة افتراضية فحصت 12 محطة لموظفي إدخال بيانات بقائمة من 5 بنود: ارتفاع الشاشة، وضبط المقعد، وموضع لوحة المفاتيح، ومسند القدمين، والإضاءة. فعدد الفحوص الكلي 12 × 5 = 60 فحصًا. وكان ما لم يستوفِ البند كما يأتي: الشاشة 7، والمقعد 6، ولوحة المفاتيح 4، ومسند القدمين 3، والإضاءة 1. فمجموع غير المستوفى 7 + 6 + 4 + 3 + 1 = 21 فحصًا من 60، أي 35%.
ويتبين من القراءة أن بندي الشاشة والمقعد معًا يمثلان 7 + 6 = 13 من 21، أي 61.9% من الإخفاقات. فإن بدأت المنشأة بهما عالجت 13 فحصًا بإجراءين. لكن النسبة تبين أين تتركز الإخفاقات، ولا تبين ما يؤلم العمال. فتُستكمل بالسؤال عن شكاواهم، لأن محطة مستوفية للبنود الخمسة قد تظل غير ملائمة لمن يعمل عليها.
مثال افتراضي: تناوب المهام
الأرغونوميا لا تعني بالضرورة شراء أثاث جديد، فقد يكون التغيير في جدول العمل. لنفترض نوبة من 8 ساعات يؤدي فيها عامل افتراضي مهمتين: مهمة أ ترفع فيها الصناديق وتتكرر حركتها، ومهمة ب تُؤدى جلوسًا. فإذا قضى العامل نوبته كلها في المهمة أ تعرّض لها 8 ساعات. وإن تناوب مع زميل كل ساعتين، قُسمت النوبة إلى 8 ÷ 2 = 4 فترات، يؤدي كل منهما المهمة أ في فترتين منها، أي 2 × 2 = 4 ساعات، وهذا نصف المدة. وفرق الساعات في هذا المثال حسابي، ولا يقرر المثال مدة آمنة ولا مدة ضارة، فهذا بيد من يقيّم المهمة بأدواته. والمهم أن ترتيب العمل نفسه صار أداة تغيّر ما يتحمله الجسم.
كيف تُشرك المنشأة العاملين؟
العامل يعرف من محطته ما قد لا يراه غيره، لذلك يُسأل قبل أن يُغيَّر شيء. ويُجرَّب التغيير على محطة واحدة أو فريق واحد قبل تعميمه، ويُسأل أصحابه بعد مدة عن أثره. وقد يتبين أن ما أُدخل لم ينفع، أو أنه حلّ مشكلة وأحدث غيرها، كمقعد قابل للضبط لم يُعلَّم العامل كيف يضبطه. فيُعلَّم العامل ما يتيحه التصميم وإلا لم يتغير شيء.
وتُسجَّل الشكاوى بحسب الموضع والمهمة والفريق، لا بحسب الاسم وحده، ليظهر نمطها. فإذا اجتمعت شكاوى من مهمة بعينها فالمهمة هي موضع النظر، لا العاملون فيها.
من يملكها داخل المنشأة؟
يتولى مسؤول السلامة والصحة المهنية جمع الملاحظات وفحص المحطات حيث يوجد، وتملك الإدارة المباشرة تعديل ترتيب العمل، وتملك المشتريات والمرافق توفير الأدوات والأثاث، وتملك الموارد البشرية ربط ما يظهر من شكاوى بما يُرصد من مؤشرات أخرى. فإن بقيت المسؤولية موزعة بلا اسم بقي الفحص بلا متابعة.
ومن المؤشرات التي قد تلفت النظر إلى وجود مشكلة الحضور غير المنتج، أي أن يحضر الموظف وهو غير قادر على أداء عمله كما ينبغي، وربما كان للألم أو الإرهاق في موضع العمل دور في ذلك. وليس هذا الربط حتميًا، فتُقرأ المؤشرات معًا ولا تُفسَّر كل واحدة بمفردها. ويدخل في الباب نفسه إدارة عبء العمل، لأن الجدول المتراكم قد يُجهد العامل ولو كانت محطته ملائمة.
ما أثر الحرارة والبيئة؟
تتداخل الأرغونوميا مع الظروف البيئية: الحرارة والإضاءة والضجيج والتهوية. فالحرارة مثلًا تغيّر قدرة الجسم على أداء المهمة نفسها، وتعرض صفحة الإجهاد الحراري الحمل الواقع على الجسم حين تتجاوز الحرارة قدرته على التخلص منها. وتنفع في ذلك النظرة الهندسية: فمهمة ثقيلة تُجدول في أبرد ساعات اليوم قد تغيّر حمل الجسم دون أن يتغير الجهد المطلوب منه.
وماذا عن العمل خارج مقر المنشأة؟
تنتقل بعض الأعمال إلى مكان آخر كالمنزل أو موقع العميل، فتبقى الأسئلة نفسها: ما المهمة؟ وبأي جهاز ومقعد ومنضدة تُؤدى؟ وكم تستمر؟ لكن المنشأة لا ترى المحطة كما ترى محطتها في المقر. فقد تكتفي بتزويد العامل بإرشادات مكتوبة عن ضبط المقعد والشاشة وتنظيم فواصل الراحة، وقد تسأله عن محطته ببضعة أسئلة مصورة. وما إذا كانت المنشأة تهيّئ تلك المحطة أو تكلّف بها العامل أو تشاركه في كلفتها سؤال تجيب عنه في سياستها المكتوبة، ولا يقرره التعريف. وللتوسع في الترتيب الذي يعمل فيه الموظف جزءًا من وقته خارج المقر يُرجع إلى العمل المختلط.
ويصعب على المنشأة أن تلاحظ محطة لا تزورها، فيُعتمد على ما يبلغ به العامل نفسه. ولذلك يُسهَّل عليه الإبلاغ، ويُطلب منه وصف المهمة قبل وصف الألم، لأن المهمة هي ما يمكن تعديله.
كيف يُساء فهمها؟
- اختزالها في الكرسي: فالمقعد المريح جزء من المحطة، وقد يبقى الجدول والمهمة والإضاءة على ما هي عليه.
- تحميل العامل المسؤولية: بدعوى أنه لا يجلس بطريقة صحيحة، وقد يكون المقعد لا يتيح له ذلك.
- الحل الواحد للجميع: فالأجسام والمهام تتباين، والتصميم الذي يلائم عاملًا قد لا يلائم غيره.
- الاكتفاء بالشراء: فالتجهيزات الجديدة تحتاج إلى تدريب على استعمالها ومتابعة لأثرها.
- الانتظار حتى تقع الشكوى: فالفحص الاستباقي للمهام والمحطات قد يكشف ما لم يُشتكَ منه بعد.
ما عدد البنود الكافي للفحص؟
لم نقف في مراجعنا على عدد مرجعي من البنود تُفحص به محطة العمل، ولا على أرقام معتمدة لارتفاع أو مسافة تصلح لكل جسم، ولا نقترح رقمًا من عندنا. فالبنود تُختار بحسب المهمة وتُضبط بحسب العامل، وما يتعلق بمتطلبات منشأة بعينها يُعرض على المختص بالسلامة المهنية فيها.
وتبقى الأرغونوميا طريقة نظر إلى العمل قبل أن تكون قائمة تجهيزات. فالسؤال فيها: كيف صُمّم العمل حتى صار يُجهد من يؤديه، وما الذي يُغيَّر في التصميم لا في الإنسان؟ وما يُستنتج بعد ذلك يُبنى على ملاحظة العمل نفسه.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.