تعريف الإشراط الإجرائي
الإشراط الإجرائي (بالإنجليزية: Operant Conditioning، وتُكتب كذلك «الاشتراط الإجرائي»، وتتفاوت ترجمته في الكتب العربية) مفهوم من علم النفس السلوكي يقول في عرضه المتداول إن سلوكًا يصدر عن الشخص ثم تتبعه نتيجة، فتزيد أو تقل احتمالية أن يتكرر ذلك السلوك في مواقف مشابهة بحسب نوع النتيجة. فالموظف الذي يكتب ملاحظة تسليم كاملة ثم يجد من يقرؤها ويشير إلى فائدتها يرجّح أن يكتب مثلها غدًا، والموظف الذي يكتبها ثم لا يرى أن أحدًا فتحها يرجّح أن يكفّ. وتُنسب الصياغة المنهجية للمفهوم إلى عالم النفس الأمريكي ب. ف. سكنر (B. F. Skinner)، ويُعرف عند الإداريين بتطبيقه على العمل تحت اسم تعديل السلوك التنظيمي (Organizational Behavior Modification).
وهو مفهوم سلوكي يخص العلاقة بين ما يفعله الموظف وما يلحق فعله. وليس تقريرًا بأن كل أداء يمكن تحسينه بتغيير النتائج.
من أين جاء المفهوم؟
درس سكنر بين الثلاثينيات والخمسينيات من القرن العشرين كيف يتأثر سلوك الكائن الحي بما يلحقه من نتائج، ثم نُقل المفهوم بعد ذلك إلى بيئة العمل.
ما العناصر التي يقوم عليها؟
يتفق عرض المفهوم المتداول على عناصر تتعاقب:
- المثير السابق: ما يسبق السلوك ويدل على أن النتيجة قد تلحق به، كطلب العميل أو وصول تذكرة أو اجتماع الأسبوع. وهو لا يُجبر على السلوك.
- السلوك: ما يفعله الموظف فعلًا ويمكن ملاحظته وعدّه، كإغلاق تذكرة أو الإبلاغ عن خطأ. ولا يدخل فيه ما يُظن أنه يدور في ذهنه.
- النتيجة: ما يلحق السلوك بعد وقوعه ويراه الموظف مرتبطًا به. وهي موضع التركيز في المفهوم، فهي التي تُغيّر بحسب العرض المتداول احتمال التكرار.
ويشير لفظ «الإجرائي» (operant) إلى سلوك يعمل في البيئة ويُحدث فيها أثرًا، فتعود البيئة بنتيجة على صاحبه. ويُفرَّق به عن سلوك انعكاسي يُستثار بمثير سابق، كجفلة من صوت عالٍ.
ما أنواع النتائج، وبماذا يختلف التعزيز السلبي عن العقاب؟
تُفهم النتائج بسؤالين: هل أُضيف شيء أم سُحب؟ وهل صار السلوك أرجح أم أقل رجحانًا؟ و«الموجب» و«السالب» في الاسم يعنيان الإضافة والسحب، لا الجيد والسيئ.
- التعزيز الموجب: يُضاف شيء مرغوب بعد السلوك فيرجح تكراره. مثال: يتلقى موظف الدعم شكرًا محددًا من مشرفه على إبلاغه المبكر عن خطأ في نموذج، فيزيد إبلاغه عن الأخطاء.
- التعزيز السلبي: يُسحب أو يُتجنب شيء مزعج بعد السلوك فيرجح تكراره. مثال: يرسل المشرف تذكيرًا يوميًّا بالتقرير الأسبوعي لمن لم يسلمه، فيسلّم موظف تقريره قبل الموعد لأن التذكير يتوقف عندئذ، فيصير التسليم المبكر أرجح. وقد زاد السلوك بسحبه، فهذا تعزيز.
- العقاب الموجب: يُضاف شيء مزعج بعد السلوك فيقل تكراره. مثال: يعلّق مدير على أخطاء موظف أمام زملائه كلما تأخر في تسليم مهمة، فيقل تأخره، وقد يقل معه أيضًا ما يطرحه من اقتراحات في الاجتماعات.
- الانطفاء: يتوقف إلحاق النتيجة التي كانت تلحق السلوك، فيقل السلوك مع الوقت. مثال: موظف اعتاد أن يرسل اقتراحات تحسين بعد كل اجتماع، ولم يرد عليه أحد في الأشهر الأخيرة، فتوقف عن إرسالها. وهذا الانطفاء يقع كثيرًا بلا قرار، فلا أحد قرر أن يُطفئ سلوكًا مرغوبًا، وإنما تجاهله الجميع.
ومن الأخطاء الشائعة أن يُعدّ التعزيز السلبي عقابًا. والفيصل أثره في السلوك لا شعور صاحبه: ما زاد السلوك فهو تعزيز، سواء أُضيف شيء مرغوب أم سُحب شيء مزعج، وما أنقصه فهو عقاب. فالتذكير اليومي في مثال التسليم ليس تعزيزًا، بل هو الشيء المزعج الذي يُسحب، والتعزيز هو سحبه بعد التسليم. وتضيف العروض التعليمية الشائعة نوعًا خامسًا يُسمى العقاب السالب، وهو سحب شيء مرغوب بعد السلوك فيقل تكراره، كسحب امتياز العمل من المنزل بعد خرق قاعدة. ولا يختلف ذلك عن العقاب الموجب في أثره، بل في ما يُفعل بالموظف.
ويُقصد بلفظ «العقاب» في المفهوم أي نتيجة تقلل السلوك اللاحق، ولا يعني الجزاء التأديبي. فالجزاء التأديبي إجراء رسمي تحكمه سياسة المنشأة وقواعدها، كما في الإنذار الكتابي، وقد لا يقلل أي سلوك، وقد تقلله ملاحظة عابرة بلا أي إجراء.
ما جداول التعزيز؟
الجدول قاعدة تحدد متى تلحق النتيجة السلوك. ولكل جدول تعريف شائع ومثال من العمل. والجدول يصف توقيت النتيجة لا أثرها في الأداء، فلا يعني اختيار جدول بعينه أداءً أفضل.
- التعزيز المستمر: تلحق النتيجة كل مرة يقع فيها السلوك، كأن يصدر النظام إشعار قبول عند كل إدخال صحيح.
- التعزيز المتقطع: تلحق النتيجة بعض مرات السلوك دون بعض، وتتفرع منه جداول بحسب أمرين: هل المعدود عدد مرات السلوك أم الزمن المنقضي، وهل القاعدة ثابتة أم متغيرة.
- النسبة الثابتة: تلحق النتيجة بعد عدد محدد من السلوك، كمبلغ يُصرف عن كل 20 وحدة منتجة.
- النسبة المتغيرة: تلحق النتيجة بعد عدد غير معلوم مسبقًا، كحافز يُمنح بعد عدد متفاوت من الحالات التي تستوفي الشرط.
- الفترة الثابتة: تلحق النتيجة أول سلوك مؤهل يقع بعد انقضاء مدة محددة، كمراجعة شهرية للأعمال المنجزة.
- الفترة المتغيرة: تلحق النتيجة أول سلوك مؤهل بعد مدة متفاوتة لا يعرفها الموظف، كمرور المدير على المكاتب في أوقات غير معلنة والإشارة إلى ما يعجبه.
وهذه الأمثلة تبسيط، فالمنشآت لا تعمل بهذه الجداول بهذا النقاء، وإنما تخلط بين أكثر من جدول في الوظيفة الواحدة.
بماذا يختلف عن مفاهيم قريبة؟
يختلف الإشراط الإجرائي عن المفاهيم القريبة منه بأنه يتتبع ما يلحق السلوك الظاهر من نتائج، بينما تتناول تلك المفاهيم الدافع أو الحقل الأوسع أو أداة بعينها من أدوات العمل.
- الدافعية: تجمع صفحة الدافعية في العمل المفاهيم التي تفسر القوى الدافعة إلى السلوك. والإشراط الإجرائي ليس نظرية في محتوى الدافع بالمعنى الذي تقدمه نظريات الحاجات والعوامل، فهو لا يقول ما الذي يحتاجه الإنسان، ولا يفترض حالة داخلية تفسر السلوك، وإنما يتتبع ما يلحق السلوك الظاهر.
- السلوك التنظيمي: الإشراط الإجرائي إطار واحد من أطر كثيرة داخل حقل السلوك التنظيمي، وهو الإطار الذي يهتم بالنتيجة اللاحقة دون النية التي تسبقه.
- الانضباط الإيجابي: أسلوب يعالج المرحلة التي تسبق قرار الجزاء بمحادثة، وتفصّله صفحة الانضباط الإيجابي بأنه ليس مسارًا بديلًا عن مسار الجزاءات. والإشراط الإجرائي أوسع في موضوعه، فهو يصف أي نتيجة تلحق أي سلوك، مرغوبًا كان أو غير مرغوب.
- الحافز الفوري: تقوم الحوافز الفورية على إشارة قريبة من الواقعة إلى سلوك بعينه، وهي في لغة هذا المفهوم صورة من التعزيز الموجب، لكن الإشراط الإجرائي لا يقصرها على المال ولا على الصرف الرسمي.
- مكافأة الأداء: مبلغ معلّق على بلوغ نتيجة وفق قاعدة تُعلن قبل الفترة، وتفصيل قاعدته في مكافأة الأداء. والمفهوم يسأل سؤالًا آخر: ما الذي يفعله الموظف بعد أن يعرف القاعدة، وماذا يلحق ذلك الفعل؟
- التلعيب: يضيف عناصر الألعاب كالنقاط والمستويات لتشجيع سلوك معين، وتفصّله صفحة التلعيب بشروطه. وفي لغة المفهوم النقطة نتيجة تلحق السلوك وقد تعزّزه، وهذا لا يغني عن السؤال عما إذا كانت النقطة تلحق السلوك المقصود أم المؤشر.
- التغذية الراجعة: الملاحظة القريبة من الحدث في التغذية الراجعة المستمرة قد تكون في لغة المفهوم نتيجة تلحق السلوك، تعزيزًا كانت أم غيره.
مثال افتراضي: ملاحظات إغلاق التذاكر
لنفترض فريقًا افتراضيًّا من 6 موظفي دعم، وسلوكًا مطلوبًا: أن يكتب الموظف ملاحظة إغلاق كاملة على كل تذكرة، ليستفيد منها الموظف التالي إذا عاد العميل. ولنفترض أن الملاحظة الكاملة تستغرق 3 دقائق، وأن الموظف يغلق 10 تذاكر في اليوم. فالوقت اليومي للملاحظات لدى الموظف الواحد 3 × 10 = 30 دقيقة، ولدى الفريق 30 × 6 = 180 دقيقة، أي 3 ساعات. ويوم العمل 8 ساعات، أي 480 دقيقة، فالملاحظات تأخذ 30 ÷ 480 = 6.25% من وقت الموظف، وهذه كلفة السلوك المطلوب، وقد تغري بتخطيه.
والسؤال هو ما الذي يلحق السلوك في الوضع القائم، لا ما الذي يُرجى أن يحدث. لوحة المتابعة تعد التذاكر المغلقة فقط، والموظف الذي يتخطى الملاحظة يغلق تذكرته أسرع ويصل إلى التي بعدها، فيلحق السلوك غير المرغوب أثر حسن في لوحته. أما من يكتب الملاحظة كاملة فلا يلحقه شيء يراه، فهو في وضع يشبه الانطفاء للسلوك المرغوب. والوضع القائم إذن يعزّز التخطي ولا يعزّز الكتابة، دون أن يقصد ذلك أحد.
وللتغيير مداخل: أن تُضاف إلى لوحة المتابعة جودة الملاحظة، وأن يقرأ المشرف كل يوم ملاحظتين من كل موظف ويكتب ردًّا محددًا يسمي فيه ما أفاد، فيلحق الكتابةَ شيء يراه الموظف. وهذه الخطة تطبيق افتراضي للمفهوم، وليست نتيجة قيست. وليس في المثال رقم يقول إن اكتمال الملاحظات سيرتفع، ولو ارتفعت نسبة الاكتمال فعلًا فلا يثبت ذلك أن هذه الخطة سببها. ويبقى سؤال يُراقب: هل تتحول الملاحظة إلى حشو كثير يُكتب لينال الرد؟ فالموظف الذي يعرف ما يلحق سلوكه قد يتجه إلى ما يكفي لإحداث تلك النتيجة، لا إلى ما يريده المشرف.
ما الحدود الأخلاقية والعملية للمفهوم؟
للمفهوم حدود يحسن إدراكها قبل استعماله: فهو يقتصر على السلوك الظاهر، وقد يعزّز المؤشر بدل الغاية، ويحتاج إلى شفافية مع الموظف، ولا يحل محل قواعد الأجور والجزاءات.
- الاقتصار على السلوك الظاهر: المفهوم لا يقول شيئًا عن معنى العمل عند الموظف ولا عن قناعته، وإنما عمّا يُلحَق بسلوكه. فمن يكتفي به يفقد ما تضيفه نظريات الدافعية.
- أن تُعزَّز المؤشرات لا الغايات: فإذا كانت النتيجة تلحق ما يُقاس، تحرك الموظف إلى ما يُقاس. وهو ما يظهر في مثال التذاكر.
- الشفافية: الموظف الذي لا يعرف أن سلوكه مرتبط بنتيجة، أو لا يعرف كيف قرر المشرف ما يلحقه، يُعامَل كأنه موضوع تجربة. ولذلك يحسن أن تُعلن قواعد التقدير وأن يعرف الموظف ما الذي يُنتظر منه.
- العقاب: قد يقلل السلوك المقصود وقد يقلل معه سلوكًا مرغوبًا، كما في مثال الموظف الذي قلّت اقتراحاته بعد التعليق على أخطائه أمام زملائه. ولا يحدد المفهوم متى يكون العقاب مناسبًا ولا بأي قدر، وهذا قرار تحكمه سياسة المنشأة.
- الأجور والجزاءات خارج المفهوم: ما يُصرف من أجر وما يوقَّع من جزاء له قواعده الخاصة في المنشأة وخارجها، والمفهوم لا يحل محلها، ولا يبرر إجراء لا تجيزه تلك القواعد.
كيف يُساء فهمه؟
- أن يُقرأ لفظ «العقاب» على أنه قرار إداري: فالتسمية في المفهوم تصف أثرًا يظهر في السلوك، ولا تصف قرارًا يتخذه المدير ولا صفة في الإجراء نفسه. فقد يسمّي المدير إجراءً عقابًا ولا يقل السلوك، وقد يقل السلوك بنتيجة لم يقصد أحد أن تكون عقابًا، والمعتبر في الحالتين ما ظهر في السلوك لا ما سُمّي به الإجراء.
- أن يُختزل في المكافأة والجزاء وحدهما: فالنتيجة التي تلحق السلوك قد تكون إضافة أو سحبًا، وقد تكون غياب أي أثر ظاهر يراه الموظف، كما في الانطفاء. ولذلك لا يكفي أن يُسأل ما المكافأة وما الجزاء، بل يُسأل أيضًا ما الذي يلحق السلوك فعلًا، وما الذي لا يلحقه شيء.
- أن يُظن أن المكافأة المالية هي التعزيز الوحيد: فالنتيجة التي تلحق السلوك قد تكون كلمة أو مهمة أو خبرًا أو استقلالية أكبر، ويحدد أثرها الموظف لا المدير.
- أن يُنسب إلى المفهوم ما لم يقله: كأن يُقال إن النتائج وحدها تفسر كل سلوك في العمل، أو إن تغييرها يضمن تغيير السلوك. والمفهوم ليس تفسيرًا شاملًا، فللسلوك في العمل عوامل أخرى كالإدراك والجماعة، وهي من موضوعات حقل السلوك التنظيمي.
كم يلزم من التعزيز ومتى، وأي جدول يناسب عملًا بعينه؟
لا يحدد المفهوم جدولًا واحدًا يصلح لكل عمل. فهو يعرّف أنواع النتائج وجداولها، ولا يحدد مقدار الشكر أو عدد مراته أو موعده المناسب، وهذا يختلف من عمل إلى عمل ومن فريق إلى فريق. وتغيير النتائج التي تلحق سلوكًا بعينه لا يعني بالضرورة تحسن أداء فريق بعينه، فالمفهوم يصف علاقة عامة بين السلوك ونتيجته ولا يتنبأ بما سيحدث في فريق محدد.
كيف يُستعمل في العمل؟
الأولى أن يُستعمل المفهوم أداة لفحص الواقع قبل أي برنامج تحفيز: ما الذي يلحق كل سلوك مطلوب فعلًا، وما الذي يلحق ضده، وهل يعرف الموظف ذلك. وما يُقرَّر بعد ذلك يتوقف على العمل والفريق وما يعدّه أعضاؤه نتيجة، ويُحكم عليه بما يظهر في السلوك لا بما يُراد له.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.