تعريف القيادة التشاركية
القيادة التشاركية (بالإنجليزية: Participative Leadership) أسلوب يُشرك فيه القائد أعضاء فريقه في تحليل المسألة وصنع القرار بدرجات تتفاوت، ويبقى هو المسؤول عن النتيجة أمام الإدارة. فالمشاركة فيه في التفكير وفي القرار، لا في المساءلة: يتكلم الجميع قبل القرار، ويحمل القائد ما يترتب عليه.
وتتفاوت درجاته بحسب سؤال واحد يُسأل عن كل قرار: من يقرر في النهاية؟ فإذا كان الجواب هو القائد بعد سماع الفريق فهي استشارة، وإذا كان الجواب هو الجماعة بمن فيهم القائد فهي قرار مشترك. أما إذا كان القائد قد قرر قبل أن يسأل فما جرى ليس مشاركة، وإن سُمّي اجتماعًا.
ما درجات المشاركة؟
ليست المشاركة شيئًا واحدًا، وبين الاستشارة والتفويض درجات يختارها القائد بحسب القرار.
- الاستشارة: يسأل القائد كل فرد عن رأيه ومحاذيره، ثم يقرر وحده ويُعلن أسباب قراره. فالقرار للقائد.
- القرار المشترك: يناقش القائد والفريق الخيارات ويتفقون على أحدها بتوافق أو تصويت. والقرار للجماعة والقائد واحد منهم، وإن بقيت المسؤولية أمام الإدارة على القائد.
- القرار ضمن حدود: يضع القائد الإطار من ميزانية ومهلة وغاية، ويقرر الفريق داخله. وهذه الدرجة تقترب من تمكين الموظفين، وهو إعطاء الموظف صلاحية اتخاذ القرارات في نطاق عمله دون الرجوع في كل مرة.
والخطأ أن يعلن القائد درجة ويمارس غيرها. فإذا أعلن استشارة وتصرّف كأن القرار مشترك أوهم الفريق بسلطة لم يمنحه إياها، وإذا أعلن قرارًا مشتركًا ثم نقضه ضاعت ثقة الفريق.
ماذا يحدث حين يتشارك الفريق في اختيار جدول المناوبات؟
تخيّل مديرًا يختار بين جدولين للمناوبات المسائية في فريق من 9. بالاستشارة يسمع من كل فرد ما يخشاه من كل جدول، فيكتشف مثلًا أن أحد الجدولين يربك موظفين لديهم التزامات مسائية، ثم يقرر ويشرح. وبالتصويت يُختار الجدول الأول بخمسة أصوات مقابل أربعة. القرار صحيح إجرائيًّا، لكن 4 من 9، أي 44.4% من الفريق، خسروا التصويت، وقد يلتزمون به وهم غير راضين.
والمقصود أن التصويت ليس شرطًا في القيادة التشاركية، فالاستشارة التي يُعالَج فيها ما يخشاه كل فرد قد يخدم أصحاب المحاذير أكثر من اقتراع يحسمه صوت واحد. ويلي القرار أمر لا يقل عنه: أن يعرف من خالفوه كيف أُخذت اعتراضاتهم في الحسبان.
كيف يُعدّ القائد اجتماع المشاركة؟
يبدأ من إعلان ما يُطلب. فيُكتب للفريق قبل الاجتماع ما القرار المطروح، وأي درجة من المشاركة تُمارَس فيه، وموعد القرار، وما المعلومات المتاحة. ثم يُوزَّع وقت الاجتماع. لنفترض اجتماعًا مدته 60 دقيقة لفريق من 9 غير القائد: تُخصص 5 دقائق لعرض المسألة، و45 دقيقة للآراء فيصير لكل فرد 5 دقائق، و5 دقائق للتلخيص، و5 دقائق احتياطًا.
ونقترح أن يتكلم القائد أخيرًا حتى لا يتشكل الاجتماع حول رأيه. وفي الختام يقرأ ما سمعه ويسأل: «هل لخّصتُ ما قلتموه كما أردتموه؟» فإن قالوا «لا»، عاد إلى ما فاته قبل أن يقرر.
متى تصلح ومتى لا تصلح؟
تصلح حين يملك الفريق معرفة لا يملكها القائد، كالعاملين في الميدان الذين يعرفون ما يعطّل العمل، وحين يتسع الوقت للنقاش. وتصلح كذلك إذا توقف نجاح القرار على التزام من ينفذونه، فالمشارك في الصياغة يعرف دواعي القرار.
ولا تصلح في أزمة تتطلب قرارًا خلال دقائق، ولا حين يكون القرار محسومًا من جهة أعلى ولا يملك القائد تغييره، فعندئذ لا يكون في سؤال الفريق إلا الإيهام بأن للرأي أثرًا. ولا تصلح كذلك حين يفتقر الفريق إلى المعلومات التي تمكّنه من الحكم، فيصير سؤاله طلبًا لرأي في موضوع لم يُعرض عليه كاملًا.
كم تكلّف المشاركة من وقت؟
للمشاركة كلفة تُحسب. فاجتماع ساعة لفريق من 9 يستهلك 9 ساعات عمل، بينما لا يستهلك قرار القائد المنفرد شيئًا مما يستهلكه الفريق. ويبرّر الكلفة حجم القرار وأثره.
لنفترض قرارًا سيشغل كل عضو في الفريق 40 ساعة في تنفيذه، فهو 9 × 40 = 360 ساعة. فإذا افترضنا أن الاستماع إلى الفريق يوفّر 5% من الجهد الذي كان سيضيع في إعادة العمل، فالتوفير 18 ساعة، وهو ضعف كلفة الاجتماع. أما قرار يشغل كل عضو ساعتين فقط فمجموعه 18 ساعة، والتوفير نفسه 0.9 ساعة، أي أقل من ساعة. ولذلك لا يُعمَّم الأسلوب على كل القرارات، وتُحفظ الاستشارة الأوسع للقرارات الكبيرة أو التي يصعب الرجوع عنها.
ما الذي تقوم عليه؟
تقوم القيادة التشاركية على أن يستطيع الموظف قول رأيه دون أن يُحسب ذلك ضده، وهذا هو الأمان النفسي في العمل. فإذا غاب هذا الأمان فقد ينتهي اجتماع التشاور بإجماع ظاهر. وقد تتخذ الجماعة حينها قرارًا لا يريده أحد أفرادها لأن كلًّا منهم ظن أن غيره يريده، وهي الحالة المسماة مفارقة أبيلين. ونقترح أن يُطلب الرأي مكتوبًا قبل الاجتماع أو من كل فرد بالتتابع، حتى لا يسبق رأيَ الباقين صاحبُ أعلى صوت. ويلزم كذلك أن يكون للقائد وقت يسع النقاش، فاجتماع يُعقد في آخر يوم قبل القرار قد يقوم على تسجيل رأي محسوم.
وتقوم كذلك على أن يُسمع الموظف قبل القرار الذي يخصه، وهو عنصر من عناصر العدالة الإجرائية، أي حكم الموظف على الطريقة التي اتُّخذ بها القرار. فقد يقبل الموظف نتيجة لا تعجبه إذا رأى الطريق إليها سليمًا، وقد يرفض نتيجة في مصلحته إذا لم يثق بالطريق إليها.
بماذا تختلف عن أساليب القيادة المجاورة؟
لا تتعارض مع غيرها، فهي تجيب عن سؤال مختلف. ففي القيادة الموقفية يُختار أسلوب الإشراف بحسب حال الموظف تجاه المهمة، ومن الحالات التي يناسبها إشراك الموظف في القرار حال موظف قادر لم تستقر ثقته بنفسه بعد. أما التشاركية فتصف طريقة في صنع القرار، وقد يعتمدها القائد في موقف ويتركها في آخر.
وتختلف عنها القيادة التحويلية، وهي أسلوب يسعى فيه القائد إلى رفع طموح الأتباع وإحساسهم بمعنى عملهم، وهذا شأن غير شأن طريقة القرار. فقائد تحويلي قد يقرر وحده، وقائد تشاركي قد لا يرفع طموح أحد. ويجتمعان حين يُشرَك الفريق في قرارات تخص ما يريد القائد أن يبلغه.
كيف يتدرب القائد على طرح الأسئلة؟
تعتمد المشاركة على نوع الأسئلة. فسؤال مثل «ألا ترون أن الجدول الأول أفضل؟» يطلب موافقة لا رأيًا، وسؤال «ما الذي يقلقكم في كل من الجدولين؟» يطلب رأيًا. والقائد الذي اعتاد الأسئلة الموجّهة يحتاج إلى أن يتدرب على المفتوحة منها.
ويفيد في ذلك التدريب الإداري، وهو يقوم على علاقة محدودة المدة يعمل فيها المدرّب بالسؤال لا بالوصفة. فمن يتلقى هذا التدريب يلاحظ على نفسه متى يسأل ليسمع ومتى يسأل ليؤكد ما قرر.
كيف يقرأ القائد ما يصله من الفريق؟
من الأدوات لقاء دوري مع كل موظف يقول فيه ما قد لا يقوله أمام الجماعة، وهو الاجتماع الفردي. وهناك قناة معلنة لتلقي الأفكار لها مسار وجهة ومدة معلومة للرد، وهي نظام الاقتراحات، وتفيد حين يريد القائد أفكارًا من خارج فريقه المباشر. وفي الحالتين لا يكفي أن يُجمع الكلام، فلا بد أن يُرجَع إلى أصحابه. وإذا خُشي ألّا يتكلم الفريق بصراحة أمام القائد فيمكن جمع الآراء بنموذج مجهول قبل الاجتماع، على أن يعلم الفريق كيف ستُستعمل.
متى يخالف القائد ما سمعه؟
قد يستمع القائد إلى فريقه ثم يقرر بخلاف ما أراده أكثر أفراده، لأن اعتبارًا لا يراه الفريق يحكم القرار، كميزانية أو التزام تجاه عميل. وهذا من حقه ما دام يعلن السبب، فيقول: «سمعت رأي أكثركم، وقررت غيره لأن العميل اشترط كذا، وهذا ما أستطيع أن أقدمه لكم في المقابل.»
والذي يهدم الثقة ليس المخالفة بل الصمت عنها. فإذا فهم الموظف أن رأيه لم يُسمع كفّ عن إبدائه في المرة القادمة.
كيف يُعرف أن المشاركة حقيقية؟
لا تُقاس بعدد الاجتماعات، بل بما صار لما قيل فيها. لنفترض أن فريقًا قدّم لمديره في ربع واحد 12 مقترحًا. أُخذ 5 منها كما هي، وعُدّل 4 وأُخذت، ولم يؤخذ 3. فنسبة ما أثّر في القرار (5 + 4) ÷ 12 = 75%. والأمر الذي لا يقل عن هذا ألّا يبقى مقترح من الاثني عشر بلا رد، فيعرف أصحاب الثلاثة التي لم تُؤخذ لماذا لم تُؤخذ. فإذا رُدّ على الاثني عشر كلها بلغت نسبة الرد 100% وكانت المشاركة حقيقية ولو قلّت نسبة الأخذ، وإذا رُدّ على 6 فقط (50%) وسكت القائد عن الباقي فهي تتآكل ربعًا بعد ربع.
وعلامة أخرى أن يسأل القائد فريقه بعد قرار: هل رأيتم أن رأيكم دخل في الحسبان؟ فإن أجاب أكثر من نصفهم بـ«لا» صارت المشاركة في الاجتماع وحده، وعلى القائد أن يراجع هل سأل بعد أن قرر.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.
