تعريف التنافر المعرفي
التنافر المعرفي (بالإنجليزية: Cognitive Dissonance) نظرية في علم النفس الاجتماعي تفترض أن الشخص يشعر بتوتر نفسي حين يحمل عنصرين معرفيين لا يتسقان، كاعتقاد يخالفه سلوكه، أو قرار يناقض ما يؤمن به، وأن هذا التوتر يدفعه إلى تخفيفه بطريقة ما. وتُنسب إلى ليون فيستنغر (Leon Festinger) وكتابه «A Theory of Cognitive Dissonance» الصادر عن Stanford University Press عام 1957.
وهي نظرية في الاتساق الداخلي عند الفرد، وليست أداة قياس ولا إجراءً في المنشأة. والتنافر حالة داخلية لا تُلاحَظ مباشرة، وما يُلاحَظ هو ما يقوله الشخص ويفعله بعد ذلك. وهي تصف المفهوم عامةً، ولا تحكم على موظف بعينه ولا على سلوك العاملين في المملكة.
ما مصدر النظرية؟
مصدر النظرية كتاب فيستنغر الصادر عام 1957، وتحققنا في Crossref من بيانات أعماله وأعمال تلته، وهي بيانات تثبت وجود الأعمال لا مضمونها:
- فيستنغر: كتاب «A Theory of Cognitive Dissonance» عن Stanford University Press، عام 1957.
- فيستنغر وكارلسميث (Festinger, Carlsmith): مقال «Cognitive consequences of forced compliance» في «The Journal of Abnormal and Social Psychology»، المجلد 58، العدد 2، عام 1959، الصفحات 203 إلى 210.
- أرونسون وميلز (Aronson, Mills): مقال «The effect of severity of initiation on liking for a group» في المجلة نفسها، المجلد 59، العدد 2، عام 1959، الصفحات 177 إلى 181.
- نوتين (Nuttin): مقال «Attitude Change After Rewarded Dissonant and Consonant Forced Compliance: A Critical Replication of the Festinger and Carlsmith Experiment» في «International Journal of Psychology»، المجلد 1، العدد 1، عام 1966، الصفحات 39 إلى 57.
- هارمون جونز وميلز (Harmon Jones, Mills): فصل «An introduction to cognitive dissonance theory and an overview of current perspectives on the theory» في كتاب «Cognitive dissonance: Reexamining a pivotal theory in psychology» (الطبعة الثانية) عن American Psychological Association، عام 2019، الصفحات 3 إلى 24.
- مؤلفان بلقب هارمون جونز (Harmon Jones): مقال «Cognitive Dissonance Theory After 50 Years of Development» في «Zeitschrift für Sozialpsychologie»، المجلد 38، العدد 1، عام 2007، الصفحات 7 إلى 16.
ولم نطّلع على نص أيٍّ من هذه الأعمال، فلا ننقل منها رقمًا ولا نتيجة. أما وصف طرق تخفيف التنافر وتجربة عام 1959 فمصدره ملخصات ثانوية على الويب وصلنا إليها بالبحث، ولم نفتح أيًّا منها كاملًا، وهي تتفاوت في بعض التفاصيل. وعناوين الأعمال المسجلة تدل على أن الفكرة بقيت موضع بحث بعد نصف قرن، ولا تقول أكثر من ذلك.
كيف تصف الملخصات تخفيف التنافر؟
تذكر الملخصات الثانوية أن فيستنغر رأى أن الشخص يخفف التنافر بإحدى ثلاث طرق: أن يعدّل أحد العنصرين المتعارضين، أو أن يضيف عناصر جديدة تتسق مع أحدهما، أو أن يقلل من أهمية العنصر المتعارض. وتعدّ ملخصات أخرى تغيير السلوك طريقة رابعة مستقلة، فيختلف العدد بين المصادر ولا نحسمه.
وتذكر الملخصات كذلك أن شدة التنافر تتوقف على أهمية العناصر المعنية وعلى نسبة المتنافر منها إلى المتسق. فالمفترض أن التعارض في أمر هيّن يزعج صاحبه أقل مما يزعجه التعارض في أمر يمس قيمه أو مصدر رزقه. وهذا وصف لافتراض نظري، ولا نعرف اختبارًا له نعتمده.
ومثال افتراضي من بيئة العمل: موظف يؤمن بأن الدقة أولًا، ثم يُطلب منه تسليم تقرير ناقص في موعد ضاغط. وعلى ما تصفه الملخصات، فإما أن يقول لنفسه «الموعد أهم من الكمال» فيضيف بذلك عنصرًا يخفف التعارض، وإما أن يرفض التسليم فيغيّر السلوك. وهذا مثال توضيحي لا واقعة حقيقية.
ماذا تصف الملخصات عن تجربة عام 1959؟
تصف الملخصات أن مشاركين أدّوا مهمة مملة، ثم دُفع لبعضهم دولار واحد ولآخرين 20 دولارًا ليخبروا مشاركًا ينتظر أن المهمة ممتعة. وتذكر أن من تلقى دولارًا واحدًا قدّر المهمة أكثر متعة ممن تلقى 20 دولارًا. والتفسير المنسوب إلى التجربة أن الأجر الأعلى يمنح الشخص مبررًا خارجيًا لما قاله فيقل التنافر، وأن الأجر الأدنى لا يمنحه ذلك فيعدّل رأيه في المهمة نفسها.
والأجر في هذه التجربة من الدوافع الخارجية، وهي الفئة التي يقابلها الدافع الداخلي في الدافعية في العمل. وتشير بعض الملخصات إلى أن أثر تغيير الموقف يظهر أكثر حين يكون السلوك مختارًا بحرية. وعنوان مقال نوتين المسجل يدل على أن التجربة أُعيد اختبارها نقديًّا، ولا نعرف ما انتهى إليه ذلك الاختبار.
بماذا يختلف عن مفاهيم قريبة؟
- الثقة المفرطة: فارق بين دقة الحكم ومقدار الثقة فيه، كما في تعريف تحيز الثقة المفرطة، ويُقاس بمقابلة الحكم بما وقع فعلًا. أما التنافر فتوتر داخلي يُفترض أنه يسبق تغيّر الموقف، ولا يُقاس بمقابلة حكم بنتيجة.
- الميل غير الواعي: ومن قرارات التوظيف ما يُفسَّر بعد وقوعه، فتذكر صفحة التحيز الضمني أن تفضيل مرشح يشبه المُقابِل يُفسَّر لاحقًا بأنه «الأنسب للفريق». والتحيز ميل لا يعيه صاحبه، والتنافر توتر يُفترض أن صاحبه يحسّ به، وإن اجتمعا في قرار واحد.
- استجابة العاملين للتغيير: حين يُطلب من العاملين ما يخالف ما اعتقدوه عن عملهم، نقرأ بعض استجابتهم تخفيفًا محتملًا لتنافر، وهذا اجتهاد منا. وهو لا يعارض ما ورد في صفحة مقاومة التغيير من أن الاستجابة وصف لما يظهر لا حكم على أحد بالعناد، وأن وراءها أحيانًا أسبابًا وجيهة أو عيبًا في التغيير نفسه.
- الارتباط بالمنشأة: يجعل عنوان مقال أرونسون وميلز المسجل شدة طقوس الانضمام إلى جماعة والإعجاب بها موضوعًا للبحث. وهذا غير الارتباط الذي يقوم على إرادة البقاء كما يوصف في الالتزام العاطفي. ورأي منا أن السؤال عن موظف بذل جهدًا كبيرًا ليبقى سؤال مفتوح، ولا نقرر أن جهده يرفع ارتباطه.
مثال افتراضي: لجنة اختيار بعد القرار
لنفترض لجنة افتراضية من 5 أعضاء قيّمت مرشحَين (أ) و(ب) قبل القرار بدرجة من 10. درجات (أ) 6 و6 و7 و5 و6، ومجموعها 30، فمتوسطها 30 ÷ 5 = 6.0. ودرجات (ب) 6 و7 و6 و5 و6، ومجموعها 30، فمتوسطها 6.0 أيضًا. فلا فرق بينهما، واختارت اللجنة (أ).
وبعد أسبوع طُلب من الأعضاء تقدير جديد. درجات (أ) 7 و8 و7 و7 و7، ومجموعها 36، فمتوسطها 36 ÷ 5 = 7.2. ودرجات (ب) 5 و6 و5 و6 و5، ومجموعها 27، فمتوسطها 27 ÷ 5 = 5.4. فارتفع (أ) 1.2 ونزل (ب) 0.6، والفرق بينهما صار 7.2 ناقص 5.4 يساوي 1.8، وهو مجموع التغيّرين 1.2 + 0.6.
والأرقام والمرشحان واللجنة افتراضية وُضعت للتوضيح، ولا تمثل دراسة ولا لجنة حقيقية. وقراءتنا لهذا التحول بأنه ما تتوقعه النظرية بعد قرار بين خيارين متقاربين اجتهاد منا لا نص في مصدر. فقد يكون السبب معلومة جديدة ظهرت خلال الأسبوع، أو تذكرًا مختلفًا للمقابلات، أو عدم اكتراث بالتقدير الثاني. والمثال يفتح سؤالًا: ما الذي تغيّر بين التقديرين، وهل بقيت الأسباب نفسها؟
ما حدود النظرية؟
- حالة لا تُرى: فالتنافر توتر داخلي، وما نلاحظه هو الأقوال والأفعال، وللملاحظة نفسها تفسيرات محتملة غير التنافر.
- تفاصيل متفاوتة: فعدد طرق التخفيف يختلف بين الملخصات التي رجعنا إليها، ولم نقابل أيًّا منها بنص فيستنغر.
- تجربة أُعيد اختبارها: فعنوان مقال نوتين المسجل يدل على إعادة نقدية لتجربة فيستنغر وكارلسميث، ولا نعرف ما خلص إليه.
- سياق سعودي غير مفحوص: فلم نقف في مراجعنا على دراسة سعودية نعتمدها عن التنافر المعرفي في المنشآت السعودية.
- مقياس غير مفحوص: فلم نطّلع على أداة تقيس شدة التنافر عند موظف في العمل، فلا نقدّم درجة ولا حدًّا.
كيف يُساء فهمه؟
- أن يُعدّ كل تغيير في الرأي تنافرًا: فقد يتغير الرأي لمعلومة جديدة، والتنافر تفسير محتمل لا تفسير حتمي.
- أن يُظن نفاقًا: فالنظرية تصف توترًا يحسّ به الشخص، ولا تحكم على صدقه.
- أن يُظن أن قلة الأجر ترفع الحماس: فالتجربة كما تصفها الملخصات كانت عن عبارة قيلت لمشارك آخر، لا عن أجر موظف يعمل شهورًا، ولا يصح تعميمها على الرواتب.
- أن يُستعمل لتفسير سلوك زميل أمامه: فتشخيص حالة داخلية بلا حوار مع صاحبها تخمين.
ما دور الموارد البشرية؟
يمكن أن تستعمل الموارد البشرية الفكرة سؤالًا لا حكمًا. فإذا تغيّر تقدير لجنة أو مدير بعد القرار، تسأل عن الأسباب التي كانت قبله وعن المعلومات الجديدة التي ظهرت بعده. وإذا ظهر في طلبات التغيير ما يخالف ما اعتاده الفريق، تسأل عما يعتقده الموظفون عن عملهم قبل أن تفسّر ردّهم.
وتبقى قرارات الاختيار والتقييم عند من يملكها في الإدارة، ولا تبني الموارد البشرية على نظرية لم نطّلع على نصها قرارًا بحق موظف. وما يُكتب في محضر القرار من أسباب وقت اتخاذه يمكن أن يسهّل لاحقًا المقارنة بين السبب الأول والتفسير المتأخر.
ما الذي تسمح به الأدلة؟
لا نقرر أن التنافر يغيّر مواقف الموظفين أو قراراتهم في المنشأة، ولا أن خفض الأجر أو رفعه يحقق نتيجة بعينها. فلم نقرأ كتاب فيستنغر ولا المقالات المسجلة في Crossref، ولم نقف في مراجعنا على دراسة سعودية نعتمدها، فلا ننسب إلى مصدر أثرًا ولا رقمًا.
فالأولى أن يُعامل التنافر المعرفي فكرة لوصف احتمال: أن يعدّل الشخص رأيه ليتسق مع ما فعله. ويُحكم على أي تغيّر في الرأي بما يظهر في الحالة نفسها: ما الذي كان قبل القرار، وما الذي استجد بعده.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.