تعريف بيئة العمل السامة
بيئة العمل السامة (بالإنجليزية: Toxic Workplace) وصف إداري لبيئة تتكرر فيها ممارسات وأنماط سلوك تُضعف قدرة العاملين على أداء عملهم والبقاء فيه بسلامة نفسية، ويُتسامح معها في الحياة اليومية للمنشأة حتى تصير جزءًا من طريقة العمل. والسمّ استعارة تصف أثر البيئة على من يعيش فيها، وليست فئة ذات حدود محددة. والوصف لبيئة لا لشخص: فلا يُقال عن موظف إنه «سام»، وإنما تُسأل المنشأة عما في ترتيب عملها وسلوكها المقبول يجعل بيئتها كذلك.
وهذا التعريف لمفهوم إداري يتعلق بثقافة المنشأة، ولا يقرر وصفًا نظاميًا لأي سلوك ولا حكمًا في حق أحد، وليس استشارة نظامية.
ما الذي يميزها عن الثقافة المؤسسية؟
الثقافة المؤسسية هي مجموعة القيم والافتراضات وأنماط السلوك التي تحكم كيف يُنجز العمل فعليًا في المنشأة، وكل منشأة لها ثقافة. أما البيئة السامة فنمط ضار داخل هذه الثقافة، يُعرف بسلوكيات وإشارات يمكن ملاحظتها لا بشعور عابر. فالثقافة الصارمة ليست سامة بالضرورة، والثقافة الودودة ليست سليمة بالضرورة. والفيصل في أثر الممارسات على الناس: هل يستطيع الموظف أن يعمل ويتكلم ويخطئ ويتعلم دون أن يدفع ثمنًا لا يتناسب مع ما فعل؟
وتختلف المنشآت في ما تعدّه مقبولًا من الشدة. فقد يقبل فريق مواعيد صارمة وانتقادًا مباشرًا لعمله لأن المعايير معلنة والنقد موجه إلى العمل لا إلى صاحبه. ولذلك لا تُقرأ الشدة وحدها دليلًا، وإنما يُقرأ معها ما يحدث لمن يعترض أو يخطئ أو يطلب توضيحًا.
ما الفرق بينها وبين التحرش في مكان العمل؟
التحرش في مكان العمل سلوك بعينه له مفهومه الخاص ومعالجته الخاصة، تتناولها صفحته. أما بيئة العمل السامة فوصف أوسع لنمط من الممارسات، وقد تضم سلوكًا من هذا النوع وقد لا تضمه. ولا يُستخلص من وصف بيئة بأنها سامة وصف قانوني لأي واقعة، ولا يُستخلص من غيابه أن البيئة سليمة. فالوصفان يعملان في مستويين مختلفين: الأول وصف إداري لثقافة، والثاني تعريف لسلوك محدد.
ويترتب على ذلك أن واقعة محددة تُعالج بمسارها الخاص بها، وأن قراءة البيئة تبقى مهمة المنشأة في فهم ما يتكرر فيها.
كيف تُلاحَظ على مستوى المنشأة؟
لا تُعلن البيئة السامة عن نفسها، وإنما يُستدل عليها بأنماط يمكن ملاحظتها. وكل ما يلي إشارات تستحق السؤال، لا أحكام:
- الصمت في الاجتماعات: يكثر المتكلم الواحد ويغيب المعترض، لأن الاعتراض قد يُكلّف صاحبه.
- البحث عن المسؤول لا عن السبب: إذا وقع خطأ، فالسؤال الأول عمّن فعله، فقد يتأخر الإبلاغ عن الأخطاء وقد يكبر أثرها قبل أن تظهر.
- التسامح مع سلوك متقلب: يُترك مدير ينفعل أو يهين أمام الفريق لأن نتائجه جيدة، فقد يتعلم الفريق أن النتيجة تغفر السلوك.
- المحاباة الظاهرة: تُمنح الفرص والترقيات وفق القرب من شخص لا وفق ما هو معلن من معايير.
- حجب المعلومات: قد يحتفظ الفرد بما يعرفه، لأن مشاركته قد تُضعف موقعه.
- تجمع المغادرات: تتركز استقالات في قسم أو تحت مدير بعينه، لا موزعة في المنشأة.
وقد تدل كل إشارة منها على سبب آخر: فالصمت قد يعود إلى طبيعة اجتماعات مزدحمة، وتجمع المغادرات قد يعود إلى سوق نشط في تخصص بعينه. ولذلك لا تكفي إشارة واحدة، والمطلوب أن تتقاطع عدة إشارات من مصادر مختلفة قبل أن تُعدّ قرينة.
ما الذي لا يدل عليها وحده؟
تلتبس البيئة السامة بأوضاع تشبهها في الظاهر ولا تعني الشيء نفسه. فموسم عمل مزدحم بمواعيد ضاغطة قد يكون ظرفًا مؤقتًا معلنًا، وليس نمطًا ثابتًا في السلوك. وخلاف حاد بين زميلين في أسبوع واحد قد يكون واقعة عارضة لا ثقافة. وارتفاع المغادرة في قسم قد يعود إلى طلب السوق على تخصص أصحابه، لا إلى ما يجري داخله. وانتقاد مدير لجودة عمل قد يكون جزءًا من توقعات معلنة، لا تعبيرًا عن عداء.
والفرق في التكرار وفي الاستجابة: هل يعود السلوك نفسه مرة بعد مرة؟ وهل تتسامح المنشأة معه حين يظهر؟ وهل يستطيع المتأثر به أن يتكلم دون أن يدفع ثمنًا؟ وفي قراءتنا تُوصف البيئة بالسمية حين يجتمع التكرار والتسامح والكلفة على من يتكلم، لا حين يقع حدث واحد.
من أين تأتي القرائن؟
تحتاج المنشأة إلى أكثر من مصدر، لأن كل مصدر يرى جزءًا من الصورة:
- الاستبيان القصير: يتيح استبيان النبض سؤال الموظفين بانتظام عن بنود محددة، كقدرتهم على إبلاغ مديرهم بخطأ ارتكبوه، فتُقارن الإجابات بين الأقسام وبين فترتين.
- المقابلة عند المغادرة: قد تكشف مقابلة الخروج ما لم يُقل أثناء العمل، لأن المغادر لم يعد يخسر من صراحته.
- قياس المغادرة: يبيّن الدوران الطوعي من غادر بقراره، ويمكن احتسابه لكل قسم على حدة.
- البحث عن الأصل: يعود تحليل السبب الجذري للاستقالات بحالات الترك إلى العامل الذي أنتجها فعلًا، بدل الوقوف عند السبب الذي كُتب في الخطاب.
وتُقرأ هذه المصادر معًا. فرقم المغادرة يدل على موضع الأمر، والمقابلات تدل على صورته، والاستبيان يدل على امتداده بين من بقي.
مثال محسوب على تقاطع القرائن
لنفترض منشأة افتراضية فيها قسمان. القسم الأول 40 موظفًا، غادر منه بقرارهم 9 موظفين خلال سنة، ومتوسط عدد العاملين فيه 40. فمعدل الدوران الطوعي فيه 9 ÷ 40 = 22.5%. والقسم الثاني 120 موظفًا، غادر منه 12، فمعدله 12 ÷ 120 = 10%. والفرق 22.5 ناقص 10 يساوي 12.5 نقطة مئوية.
ثم سُئل الموظفون في استبيان نبض عن بند واحد: «أستطيع أن أخبر مديري بخطأ ارتكبته دون خوف». فوافق 18 من 40 في القسم الأول، أي 18 ÷ 40 = 45%، ووافق 90 من 120 في القسم الثاني، أي 90 ÷ 120 = 75%. وفي مقابلات الخروج ذكر 6 من الموظفين التسعة المغادرين من القسم الأول سلوك المدير نفسه سببًا، فنسبتهم 6 ÷ 9 = 66.7%.
وتتقاطع الأرقام عند موضع واحد، وهذا ما يجعل السؤال مشروعًا. لكن المثال افتراضي بأرقام موضوعة للتوضيح، لا مرجع لها في منشأة ولا في دراسة. وأعداد صغيرة كهذه قد تتأثر بظرف عارض، فلا تُعدّ إثباتًا، وإنما تدل على أن القسم يستحق فحصًا أعمق قبل أي استنتاج. ولا يعني تقاطعها وصف شخص بعينه بالسمّية، فالمطلوب فحص ترتيب العمل والمساءلة في القسم، لا الحكم على فرد.
كيف يرتبط بالأمان النفسي والاحتراق؟
الأمان النفسي في العمل هو اعتقاد الموظف أنه يستطيع السؤال أو الاعتراف بخطأ أو الاعتراض دون أن يُحسب ذلك ضده. وهو الوجه المقابل للبيئة السامة: فحين يغيب، قد تبقى الممارسات الضارة بلا إبلاغ، لأن من يراها يرى أن قولها مكلف. ولا يعني غياب الأمان وحده أن البيئة سامة، فقد يغيب لأسباب مختلفة.
أما الاحتراق الوظيفي فأثر يقع على الفرد، وهو حال إنهاك تنشأ عن ضغط مزمن في العمل. وقد تكون البيئة السامة سببًا من أسبابه، لكنها ليست السبب الوحيد، فقد يحترق موظف في بيئة سليمة لأن حمله مفرط. وهذا يجعل القراءة تبدأ من الأثر وتنتهي بالسؤال عن مصدره.
ما الذي تفعله المنشأة حين تظهر القرائن؟
الخطوة الأولى فهم الصورة قبل التغيير. ونقترح أن تُجمع القرائن في موضع واحد وأن تُقرأ بين الأقسام لا في المنشأة كلها، لأن البيئة قد تختلف من قسم إلى آخر. ثم تتبع الاستجابة موضع الأمر:
- إن كان في المساءلة، فتُراجع ما يُتسامح معه ولماذا، ويُربط المقبول بسلوك لا بنتيجة وحدها.
- إن كان في قنوات الكلام، فيُنظر في فتح مسارات يستطيع الموظف بها أن يقول ما عنده، وفي ما يحدث لما يقوله.
- إن كان في توزيع الفرص، فتُعلن المعايير وتُطبق على الجميع.
ويظل الدليل على التغيير ما يعيشه الموظفون لا ما تعلنه الإدارة. فإذا أُعلن التغيير ثم عادت الممارسة نفسها، فقد تثبت الصورة القديمة في أذهانهم، وقد يصعب الرجوع عنها.
ما الأخطاء في فهمها؟
- أن تُعدّ وصفًا لشخص: فالمفهوم يصف بيئة وممارسات، ووصف شخص به حكم يحتاج إلى وقائع لا تكفي فيها الصفة.
- أن يُظن أنها تعني الشدة: فالمنشأة الصارمة المعلنة المعايير قد لا تكون سامة، والعبرة بما يحدث لمن يخطئ أو يعترض.
- أن تُقاس برضا الموظفين وحده: فقد يرضى موظف عن عمله وهو يعيش في بيئة تضر زملاءه.
- أن تُعالج بنشاط ترفيهي: فالفعاليات الاجتماعية قد لا تغيّر ما يُتسامح معه في الاجتماعات والقرارات.
- أن يُنتظر الإبلاغ: فقد لا يبلّغ الموظف بشيء لأن ما يمنعه عنه هو البيئة نفسها.
ما الحد الذي تصير عنده البيئة سامة؟
لم نقف في مراجعنا على حد رقمي أو مقياس معتمد تصير عنده بيئة العمل سامة، ولا نقترح رقمًا من عندنا. فما يُعدّ مقبولًا يختلف من منشأة إلى أخرى بحسب طبيعة العمل وتوقعات الموظفين، والمفهوم نفسه وصف لا معيار. وكذلك لم نجد مصدرًا نعتمده لنسبة محددة تربط هذه البيئة بمعدل المغادرة، فلا تُذكر نسبة.
ويبقى المفهوم أداة قراءة للمنشأة لا أداة حكم عليها. فهو يوجّه الانتباه إلى ما يتكرر في الاجتماعات والقرارات وحركة الموظفين، وما يُقرَّر بعد ذلك يُبنى على قرائن متعددة وعلى ما يرويه الموظفون أنفسهم.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.