تعريف الاحتراق الوظيفي
الاحتراق الوظيفي (بالإنجليزية: Burnout) حالٌ تنشأ عن ضغطٍ مزمن في العمل لم يُعالج، وتُوصف في أدبيات هذا الباب بثلاثة أبعادٍ مجتمعة لا ببعدٍ واحد: الإنهاك، والتبلّد تجاه العمل ومن فيه، وتراجع الشعور بالكفاءة.
وقيد «في العمل» جزءٌ من التعريف لا زيادةٌ عليه. فالحال موصوفةٌ بمصدرها لا بصاحبها، ومحلّها تنظيمُ العمل وظروفُه. ومن نقلها إلى وصف طبائع الأشخاص نقلها عن موضعها، وأغلق بذلك الباب الوحيد الذي يُعالج منه.
وتنبيهٌ يُذكر أوّلًا: ما يلي تعريفٌ لمفهومٍ إداري يتعلّق بتنظيم العمل وقياس بيئته. وليس تشخيصًا ولا وصفًا لحالةٍ صحّية ولا استشارةً طبّية، ولا تقرّر هذه الصفحة شيئًا من ذلك.
البعد الثالث هو الذي يقلب المعنى
البعدان الأوّلان مألوفان: طاقةٌ تنفد، ومسافةٌ تتّسع بين الموظّف وعمله. والثالث هو الذي يميّز هذه الحال عن مجرّد الإرهاق: أن يتراجع تقدير الموظّف لأثره هو، فيرى عمله بلا نتيجة.
ومقتضى ذلك أنّ الراحة وحدها لا تعيد الحال إلى ما كانت. فالإنهاك يستجيب للراحة، والبعدان الآخران لا يستجيبان لها لأنّ سببهما في ترتيب العمل نفسه: ما الذي يملكه الموظّف من قرارٍ في عمله، وهل يرى أثره، وهل يُستجاب لما يرفعه. ولهذا يُقرأ هذا الباب مع الاستقلالية الوظيفية قبل أن يُقرأ مع عدد ساعات العمل.
مؤشّرٌ واحدٌ يجمع الأبعاد يُلغي فائدتها
أشيع ما يقع عند القياس أن تُجمع الأبعاد الثلاثة في رقمٍ واحد. وأثر ذلك يظهر في مثالٍ يسير. خذ مقياسًا من خمس درجات يرتفع فيه الرقم كلّما زاد البعد المقيس، وموظّفَين:
- الأوّل: إنهاك 4.8، تبلّد 4.6، تراجع شعورٍ بالكفاءة 1.2.
- الثاني: إنهاك 3.5، تبلّد 3.5، تراجع شعورٍ بالكفاءة 3.6.
ومتوسّط الأوّل 10.6 على ثلاثة، أي 3.53. ومتوسّط الثاني 10.6 على ثلاثة، أي 3.53 أيضًا. فالرقمان متطابقان، والحالان مختلفتان اختلافًا تامًّا: الأوّل منهَكٌ متبلّدٌ وما زال يرى نفسه قادرًا، والثاني متوسّطٌ في كلّ شيء.
والمعالجة تختلف بينهما، والمؤشّر المجموع لا يقول أيّهما أمامك. ولهذا تُعرض الأبعاد الثلاثة مفرَّقةً دائمًا، ومن أراد رقمًا واحدًا فليعرض أعلاها لا متوسّطها.
المتوسّط على الفريق يخفي من هم في القاع
والمشكلة نفسها تقع في الاتّجاه الآخر: متوسّطٌ على الأشخاص لا على الأبعاد. خذ فريقًا فيه 12 موظّفًا، سجّل 9 منهم 4.3 في مقياس تفاعلٍ من خمس، وسجّل 3 منهم 1.8.
فالمتوسّط 44.1 على 12، أي 3.68، وهو رقمٌ يُقرأ جيّدًا ويُعرض في تقريرٍ بلا ملاحظة. وربعُ الفريق في أسفل المقياس. والرقم لم يكذب، وإنّما أُجيب به عن سؤالٍ لم يُطرح.
والعلاج في العرض لا في المقياس: أن تُعرض نسبة من وقعوا دون حدٍّ معلن إلى جانب المتوسّط، لا بدلًا منه. وهذا مبدأ عامّ في قراءة أرقام بيئة العمل، وقد قرّرته صفحة تفاعل الموظفين في موضع القياس على الفريق لا على المنشأة.
الأبعاد لا تتحرّك في وقتٍ واحد
يُلاحظ في هذا الباب أنّ الأبعاد الثلاثة لا تظهر معًا، وإنّما يسبق الإنهاكُ غيره، ثمّ يتبعه التبلّد بوصفه تدبيرًا يقي به الموظّف نفسه، ثمّ يتأخّر تراجعُ الشعور بالكفاءة لأنّه آخر ما يتخلّى عنه المرء في عمله.
ولهذا الترتيب أثرٌ عملي واحد يستحقّ أن يُقال: المقياس الذي يسأل عن الرضا أو عن النيّة في البقاء يلتقط الحال في آخر أطوارها، لأنّ هذين لا يتحرّكان إلّا بعد أن يتحرّك البعد الثالث. فمنشأةٌ تقرأ أرقامها في استبيانٍ سنويٍّ عن الرضا لا ترى شيئًا في الطور الذي كانت المعالجة فيه أيسر، ثمّ ترى كلّ شيءٍ دفعةً واحدة في صورة استقالات.
والمدخل الذي يُقصّر هذه المدّة سؤالٌ قصيرٌ متكرّر عن الطاقة وعن العبء، في استبيان النبض أو في الاجتماع الفردي المنتظم. وهو لا يُغني عن القياس التفصيلي، وإنّما يقول متى يُجرى.
لا يقع إلّا بعد بذلٍ سابق
من مقتضيات التعريف أنّ هذه الحال لا تقع لمن لم يبذل. فالبعد الثالث تراجعٌ عن تقديرٍ سابق للأثر، ولا يتراجع عمّا لم يكن قائمًا. ومن هنا الملاحظة المتكرّرة في أدبيات هذا الباب: أنّ أقرب الناس إليها أكثرُهم بذلًا، لا أقلُّهم.
وأثر هذه الملاحظة في القراءة كبير. فالمدير الذي يبحث عن الحال في أضعف من في فريقه يبحث في الموضع الخطأ، والمنشأة التي تقرأ انخفاض أداء موظّفٍ كان مرتفعًا على أنّه تراجعٌ في الالتزام تُعالج بما يزيد الحال سوءًا.
ويترتّب على ذلك أثرٌ في المنشأة لا في الشخص وحده: أنّ أوّل ما يتوقّف هو رفعُ المشكلات. فالموظّف الذي يبلغ هذا الطور يكفّ عن الإبلاغ عمّا يراه معطّلًا، وهو نفسه الجهاز الذي كانت المنشأة تعرف به أين الخلل. فالحال تُطفئ المؤشّر الذي كان يدلّ عليها، وهذا هو سبب تأخّر اكتشافها لا قلّةُ الأدوات.
ستة مواضع يُبحث فيها عن السبب
يُعدّ في أدبيات هذا الباب أنّ مصدر الحال ليس حجم العمل وحده، وإنّما التفاوت بين الموظّف وعمله في ستّة مواضع:
- حجم العمل: أن يكون المطلوب فوق ما تسمح به المدّة والموارد على نحوٍ متّصل، وموضعه إدارة عبء العمل.
- القرار: أن يُسأل الموظّف عن نتيجةٍ لا يملك من أسبابها شيئًا.
- المقابل: وهو ما يُعطى ماليًّا ومعنويًّا، وأثقلُه فقدانًا أن يمرّ العمل المنجَز بلا أن يُذكر.
- الجماعة: حال العلاقات في الفريق، وما فيها من نزاعٍ متّصل أو عزلة.
- الإنصاف: أن تُتّخذ القرارات بقاعدةٍ معلومة تُطبَّق على الجميع.
- المعنى: التعارض بين ما يُطلب من الموظّف وبين ما يعدّه صوابًا في عمله.
وفائدة هذا التفصيل عملية: أنّ المنشأة التي تعالج الموضع الأوّل وحده، وهو أظهرها، قد يكون سببها في الرابع أو الخامس، فتُنفق ويبقى الرقم على حاله.
ثلاثة أشياء ليس هو
- الحضور غير المنتج. ذاك وصفٌ لحالٍ يحضر فيها الموظّف ولا يُنتج، وله أسبابٌ كثيرة هذه واحدةٌ منها. فالأوّل عَرَضٌ يُرى، وهذا وصفٌ لحالٍ بأبعادها الثلاثة.
- الاستقالة الصامتة. تلك حدٌّ يضعه الموظّف لجهده بقرارٍ منه، وقد يكون عن صحّةٍ في التقدير. وهذه حالٌ لا تُختار، والفرق بينهما في الكفاءة: صاحب الأولى يرى نفسه قادرًا ويختار ألّا يزيد.
- ضغط فترةٍ محدودة. فموسمٌ ثقيل ينتهي بانتهائه، والوصف هنا مشروطٌ بالاتّصال والمزمَن. وعدّ كلّ إرهاقٍ احتراقًا يُفرغ اللفظ من معناه، ويجعل الحال الحقيقية حين تقع لا تُصدَّق.
ما يُفسد قياسه
- سؤالٌ واحد في استبيانٍ عامّ. فالأبعاد ثلاثة، وسؤالٌ عن الإرهاق يقيس أظهرها وأقلّها دلالة.
- القياس مرّةً واحدة. فالوصف مشروطٌ بالاتّصال، ولقطةٌ واحدة لا تفرّق بين أسبوعٍ ثقيل وحالٍ مستقرّة. ويُقاس على فتراتٍ متباعدة بالأداة نفسها.
- ربط الإجابة بصاحبها. فمقياسٌ يُعرف فيه من أجاب ماذا يقيس ما يُقال لا ما يقع، والأثر أشدّ في الفرق الصغيرة حيث لا يكفي حذف الاسم.
- القياس في موسمٍ غير معتاد. فقياسٌ يقع في أثقل أسابيع السنة ويُقارَن بقياسٍ وقع في أهدئها يقيس الموسم لا الحال. ويُثبَّت موعد القياس من السنة كما يُثبَّت سؤاله.
- قراءة الرقم بلا قرائنه. فيُقرأ مع رصيد الإجازات غير المستخدم ومع أسباب المغادرة، على ما قرّرته صفحة الرفاهية الوظيفية في قياس بيئة العمل بمؤشّراتٍ عدّة لا بمؤشّرٍ واحد.
ما الدرجة التي يُعدّ ما فوقها احتراقًا وظيفيًّا؟
لا يحدّد تعريف الاحتراق الوظيفي درجةً فاصلة، ولا يحكم في حالةٍ فردية، ولا يقرّر حكمًا نظاميًّا في ساعات العمل والإجازات:
- الحالة الفردية: الوصف في هذا التعريف إداريٌّ يتعلّق بتنظيم العمل، ولا يُبنى عليه قولٌ في حال شخصٍ معيّن.
- الحدّ الفاصل: لا يقرّر هذا التعريف درجةً يُعدّ ما فوقها احتراقًا، وأيّ حدٍّ تعتمده المنشأة قرارٌ منها تُعلنه مع الرقم.
- ساعات العمل والإجازات: لا يقرّر التعريف حكمًا نظاميًّا يتعلّق بساعات العمل أو الإجازات، فذلك يُقرأ من صفحاته، ولا يُستعار من هذا التعريف.
- أرقام الأمثلة: الأرقام الواردة في أمثلة التعريف مفترضة لبيان أثر جمع الأبعاد في رقمٍ واحد، وليست معيارًا ولا نقلًا عن مصدر.
قبل أن يُبنى برنامجٌ على الرقم
وتُذكر قبل ذلك مسألةُ من يملك المعالجة. فالمواضع الستّة أكثرها في يد المدير المباشر لا في يد إدارة الموارد البشرية: توزيعُ العمل، وما يُذكر من المنجَز، وقاعدةُ اتّخاذ القرار في الفريق. وبرنامجٌ مركزي يُطلق ولا يتغيّر عند المدير شيءٌ يُعالج الموضع الذي لا يُعالج منه.
أنفع اختبارٍ قبل الإنفاق أن يُسأل عن الأبعاد الثلاثة مفرَّقة، ثمّ عن المواضع الستّة: أيُّها أبعدُ عن حاله المقبولة في هذه الوحدة بعينها؟ فإن كان الجواب حجم العمل، فالمعالجة في توزيعه وفي عدد من يؤدّونه. وإن كان الإنصاف أو المعنى، فلا يُعالَجان بخدمةٍ تُضاف.
ثمّ يُنظر في الترتيب: أن تُفحص مصادر الضرر في العمل نفسه أوّلًا وتُضاف الخدمات المساندة بعدها، وهو الترتيب الذي تقرّره صفحة الرفاهية الوظيفية. فإضافة الخدمة فوق سببٍ قائم تُنفق ولا تحرّك الرقم، ثمّ تُقرأ بعد سنةٍ دليلًا على أنّ المسألة ليست في العمل.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.