تعريف التفاوض على الراتب
التفاوض على الراتب (بالإنجليزية: Salary Negotiation) حوار بين طرفين، منشأة وشخص، لتحديد ما يتقاضاه الشخص مقابل عمله وما يرافقه من مزايا إلى أن يتفقا. ويظهر خصوصًا عند التوظيف، حين تقدّم المنشأة مبلغًا ويطلب المرشح غيره، وقد يقع كذلك مع موظف قائم عند ترقية أو تعديل دور. وهو ممارسة إدارية ذات وجهين: وجه المنشأة التي تضع حدودًا وتبحث عن اتفاق، ووجه المرشح الذي يعرض قيمته ويسأل عمّا يناسبها.
ويقتصر التعريف على الممارسة، أي كيف يجري الحوار وما موضوعه وكيف يُدار من الجانبين. وليس فيه حكم في مقدار الأجر ولا قاعدة نظامية فيما يجوز الاتفاق عليه، وإنما يعرض ما يمكن أن تتبعه الأطراف من ترتيب للحوار.
ما الذي يُفاوَض عليه فعلًا؟
قد يُظن أن التفاوض على الراتب تفاوض على رقم واحد، والحزمة في الواقع مكونة من عناصر قد يُتفق على كل منها على حدة:
- الأجر الثابت: المبلغ الشهري الذي يتكرر، وهو عنصر يستمر أثره على ميزانية المنشأة ويدخل في مقارنات الزملاء.
- الأجر المتغيّر: الجزء المعلّق على نتيجة، وقد يكون عنصرًا يتفاوضان فيه حين لا يتسع الثابت. وتفصيله في الأجر المتغيّر.
- المبلغ لمرة واحدة: دفعة عند الانضمام، وهي أداة تسدّ فارقًا دون رفع الأجر الشهري. وتفصيلها في مكافأة الانضمام.
- عناصر غير مالية: الدور وموعد المباشرة ومكان العمل وطبيعة الدوام ومسار النمو.
وفهم أن الحزمة متعددة العناصر يفتح للطرفين حلولًا لا يفتحها التمسك برقم الراتب الشهري وحده. فقد لا تستطيع المنشأة رفع الثابت لكنها تستطيع تقديم عنصر آخر، وقد يقبل المرشح عنصرًا غير الذي طلبه إن وجد فيه ما يعادله.
كيف يفترق عن المفاهيم المجاورة؟
يتشابه التفاوض على الراتب لفظًا مع مفاهيم أخرى في باب التوظيف والأجور، ويفترق عنها في الدور الذي يؤديه:
- الوثيقة: عرض العمل ما تقدّمه المنشأة للمرشح بعد اختياره، وهو وثيقة بشروطها. أما التفاوض فحوار يسبق صيغتها النهائية أو يتبع أولها، فيعدّل ما فيها.
- الظرف: العرض المضاد يقدّمه صاحب العمل لموظف أعلن استقالته ليبقى. وهو يقع في لحظة مغادرة، بينما يقع التفاوض على الراتب في لحظة اتفاق قبل الانضمام أو عند تعديل في الدور.
- الأداة: مكافأة الانضمام عنصر قد يستعمله المفاوض، وليست هي التفاوض. فالتفاوض هو الحوار، والمكافأة أحد ما قد ينتهي إليه.
- المرجع: منتصف النطاق الأجري نقطة تضعها المنشأة في درجة الوظيفة وتقيس إليها، فهي إطار يجري التفاوض داخله، لا حوار في ذاته.
- البيانات: مسح الأجور يقدّم أرقام السوق مجمّعة، وقد يستند إليه كل من الطرفين في حجته، لكنه معلومة لا حوار.
كيف تتهيأ المنشأة للتفاوض؟
تتهيأ المنشأة قبل أن يبدأ الحوار بأسئلة تحدد حدودها:
- أين نطاق الوظيفة؟ الحد الأدنى والأعلى لأجر الدرجة، ونقطة الوسط فيها.
- ما سلطة من يتفاوض؟ إلى أي مبلغ يستطيع المفاوض أن يوافق دون الرجوع إلى جهة أعلى، وما الذي يحتاج إلى اعتماد.
- ما الأرقام التي تسندها؟ ما قرأته المنشأة في السوق، وما تدفعه لمن يشغلون وظائف مماثلة داخلها.
- ما العناصر التي تقبل التعديل؟ الثابت أو المتغيّر أو المبلغ لمرة واحدة أو الدور أو الموعد.
- ما الأثر على الزملاء؟ فالأجر المتفق عليه مع مرشح جديد يقارنه الزملاء بأجورهم، وهذا ما تتناوله العدالة الداخلية للأجور.
وقد يضعف موقف المنشأة حين تدخل الحوار بلا حدود واضحة، فتعطي في الحوار ما تتراجع عنه بعده، أو تُرجع الاتفاق إلى جهة أعلى فيضيع وقت المرشح وثقته. وإن بدأ المرشح التفاوض على أساس معلومات عن السوق، فقد يفيد أن تكون لدى المنشأة قراءة موثقة لا انطباعات.
كيف يتهيأ المرشح؟
ما يلي ترتيب عملي مقترح لا قاعدة ملزمة، ويختلف بحسب الوظيفة والمنشأة والسوق:
- معرفة السوق: الاطلاع على نطاقات مماثلة من مصادر موثوقة، مع الانتباه إلى أن الرقم المنشور قد لا يطابق الوظيفة في تفاصيلها.
- تحديد القيمة: ما يضيفه المرشح فعلًا من مهارة أو خبرة أو نتيجة سابقة يمكن وصفها بالوقائع.
- ترتيب الأولويات: أي العناصر له الأولوية بحسب ظرفه، فقد يفضّل مبلغًا ثابتًا أعلى، وقد يفضّل مرونة في الدوام.
- تحديد البدائل: ما الذي يفعله إن لم يتفقا، فقد يضعف موقف من لا بديل له قياسًا بمن يملك بديلًا. وهذه فرضية في سلوك التفاوض لا حكم مطرد.
- تحديد الحد الأدنى المقبول: مبلغ أو حزمة لا ينزل عنها، يقرره قبل الحوار لا في أثنائه.
وقد يكون الحوار أفضل حين يُطرح المطلب مع سبب له من قيمة المرشح أو من السوق، لا طلبًا مجردًا. والصيغة الهادئة التي تسأل عن مجال الاتفاق قد تفتح الباب أكثر من صيغة الإنذار.
مثال افتراضي بالأرقام
لنفترض منشأة افتراضية نطاق الوظيفة عندها من 10,000 إلى 14,000 شهريًّا، ووسطه 12,000، بوحدة نقدية واحدة في كل الأرقام. وقدّمت للمرشح عرضًا بمبلغ 12,000 شهريًّا، فطلب هو 15,000، وهو يتجاوز حدّ النطاق الأعلى بمقدار 1,000.
ولنفترض أن المنشأة لا تستطيع تجاوز 14,000، وبعد حوار عرضت 13,000 شهريًّا مع مبلغ 12,000 يُدفع مرة واحدة عند الانضمام. فالزيادة عن العرض الأول 13,000 ناقص 12,000 يساوي 1,000، أي 1,000 ÷ 12,000 × 100 = 8.3% تقريبًا، والأجر الجديد يساوي 13,000 ÷ 12,000 × 100 = 108.3% من وسط النطاق.
ولمقارنة الطرفين في السنة الأولى: طلب المرشح يساوي 15,000 × 12 = 180,000، وحزمة المنشأة 13,000 × 12 + 12,000 = 156,000 + 12,000 = 168,000. والفرق 180,000 ناقص 168,000 يساوي 12,000، أي 12,000 ÷ 180,000 × 100 = 6.7% تقريبًا من طلبه.
لكن في السنة التالية لا يتكرر المبلغ الواحد، فتصير حزمة المنشأة 13,000 × 12 = 156,000 والفرق 180,000 ناقص 156,000 يساوي 24,000، أي 24,000 ÷ 180,000 × 100 = 13.3% تقريبًا. وهذا يوضح أن المبلغ لمرة واحدة يسدّ فارق السنة الأولى ولا يسدّ فارق ما بعدها، فيُحسن أن يعرف المرشح ذلك قبل القبول، وأن تصرّح المنشأة به. والأرقام افتراضية وضعت للتوضيح، لا تمثل منشأة ولا سوقًا.
ماذا عن التفاوض مع موظف قائم؟
قد يجري التفاوض كذلك داخل المنشأة، حين يُرقّى موظف أو يتغير دوره أو يطلب مراجعة أجره. وتختلف الحال عن المرشح الجديد في أن المنشأة تعرف أداءه من تجربتها، وهو يعرف حدودها، فيجري الحوار بمعلومات أوسع من الطرفين. وفي المقابل يحمل الحوار ثقل علاقة قائمة، فقد يخشى الموظف أن يُقرأ طلبه عدم رضا، وقد تخشى المنشأة أن يتحول الطلب إلى سابقة بين الزملاء.
وقد يفيد أن تكون للمنشأة قاعدة معلنة للمراجعة، لأن الموظف الذي يعرف متى تُراجع الأجور وبأي معيار قد يتجه إلى القاعدة بدل أن يفاوض في كل مناسبة. وما لم يُرتَّب داخل القاعدة يبقى حوارًا بين الموظف ومديره بحسب ما تسمح به سلطة المدير.
ما أثر التفاوض في قبول العرض؟
يتأثر قبول المرشحين للعروض بما يدور في التفاوض، وقد يظهر هذا في معدل قبول العروض. فإن كان معدل القبول منخفضًا، فقد يعني أن العرض الأول بعيد عما يقبله المرشحون، وقد يعني أسبابًا أخرى كالمهلة أو الدور. ولا يثبت الرقم وحده أيًّا منها، ولذلك يُنظر فيه مع ما عُدِّل في كل حالة: الأجر أم الموعد أم الدور.
وتتأثر كذلك تجربة المرشح في الحوار. فالرد البطيء أو الغامض قد يُقرأ عدم اهتمام، والرد الواضح بشرح للحدود قد يترك أثرًا طيبًا حتى مع الاختلاف على الرقم. وقد يقبل المرشح عرضًا دون ما أراد إن شعر أنه سُمع، ويرفض عرضًا أعلى إن شعر بالعكس.
كيف يتحول التفاوض إلى مشكلة؟
- أن يُعدّ مباراة: الحوار الذي يُنظر فيه إلى الطرف الآخر خصمًا قد ينتهي باتفاق يتحسر عليه أحدهما، ويبدأ العلاقة بجرح.
- أن تُخفى الحدود فتُكتشف: إذا وعدت المنشأة بما لا تملك أو ألمح المرشح إلى عرض لا وجود له، فقد تنكشف الحال لاحقًا وتتضرر الثقة.
- أن يُركَّز على الرقم وحده: قد يضيع في الحوار ما يعادله من عناصر أخرى، ولا تُستعمل الحزمة بأوسع ما تحتمله.
- أن يختلف المرشحون في الشروط بلا سبب: قد يُنشئ ذلك فروقًا لا تفسير لها بين زملاء في الدور نفسه، وهو ما قد تظهر آثاره عند مقارنة الأجور بعد حين. وقد تخفف منه الشفافية في الأجور بقدر ما تعلنه المنشأة من قواعد ونطاقات.
- أن يُترك الاتفاق شفهيًّا: نقترح أن يُكتب ما اتُّفق عليه في صيغة العرض النهائية، لأن ما لا يُكتب قد يفهم كل طرف منه ما يناسبه.
هل التفاوض عيب في المرشح أم المنشأة؟
لا يدل التفاوض بذاته على شيء في الطرفين. فقد يكون طلب المرشح تعديل العرض سؤالًا مشروعًا عمّا يناسب قيمته، وقد يكون تمسك المنشأة بحدودها وفاءً بتوازن داخلي. والذي يُحكم عليه هو أسلوب الحوار: هل جرى بصدق ووضوح، وهل انتهى باتفاق يفهمه الطرفان.
ويظل التفاوض على الراتب أداة حوار لا أداة غلبة. فهو يتيح للمنشأة والمرشح أن يلتقيا على حزمة تناسب كليهما، وما يُتفق عليه يُبنى على حدود المنشأة وعلى ما يطلبه المرشح وما يقدمه معًا.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.