تعريف إعادة تشكيل الوظيفة
إعادة تشكيل الوظيفة (بالإنجليزية: Job Crafting) أن يغيّر شاغلُ الوظيفة نفسُه حدودَ عمله: ما يؤدّيه من مهامّ، ومع من يتعامل، وكيف يفهم ما يفعله. فالتغيير يبدأ من أسفل، لا من قرارٍ إداريّ ينزل عليه.
وهو يقع في كلّ منشأةٍ سواءٌ اعترفت به أم لم تعترف. فالموظّف الذي يزيد وقته في الجزء الذي يتقنه وينقصه من الجزء الذي يثقل عليه قد أعاد تشكيل وظيفته وإن لم يسمّ ذلك. والسؤال العمليّ إذن ليس «هل نسمح به؟» وإنّما: أين ينتهي ما هو مبادرةٌ محمودة، ويبدأ ما هو تغييرٌ في العمل المتّفق عليه؟
ثلاثة أوجه للتشكيل
- تشكيل المهامّ. تغييرٌ في عدد ما يؤدّيه أو نطاقه أو طريقته: يضيف مهمّةً لم تُطلب منه، أو يوسّع مهمّةً قائمة، أو يؤدّيها بأداةٍ غير المعتادة.
- تشكيل العلاقات. تغييرٌ في مع من يتعامل وبأيّ كثافة: يبني صلةً بقسمٍ لا يقتضيها تسلسل العمل، أو يقلّل تعاملًا كان قائمًا.
- تشكيل المعنى. تغييرٌ في كيف يقرأ عمله: من «أدخل بيانات» إلى «أضمن أن ما يُبنى عليه القرار صحيح». ولا يتغيّر هنا شيءٌ في الفعل، ويتغيّر ما يُبنى عليه من دافع.
والوجه الثالث لا يمسّ العقد في شيء، والأوّلان قد يمسّانه. ولهذا يلزم الفصل بينها قبل تقرير أيّ حكمٍ عليها، فمن عالجها بوصفها شيئًا واحدًا عالج ما لا يحتاج معالجةً وترك ما يحتاجها.
الحدّ النظاميّ، ويُقرأ في الاتجاهين
وتقرّر المادة 60 من نظام العمل أنّه لا يجوز تكليف العامل بعملٍ يختلف اختلافًا جوهريًّا عن العمل المتّفق عليه دون موافقته الكتابية، إلّا في حالات الضرورة الناشئة عن ظرفٍ عارض ولمدّةٍ لا تزيد على ثلاثين يومًا في السنة.
وظاهرُ المادة أنّها حمايةٌ للعامل من صاحب العمل، وهو كذلك. غير أنّ ما تحميه في جوهره هو ما اتُّفق عليه، والاتفاق يلزم طرفيه. فالموظّف الذي أعاد تشكيل عمله حتّى صار يختلف اختلافًا جوهريًّا عمّا تعاقد عليه لم يعد يؤدّي العمل المتّفق عليه، ولو كان ما يؤدّيه أنفع. والمادة لا تخاطبه بنصّها، لكنّ المرجع الذي تحيل إليه، وهو العمل المتّفق عليه، هو المرجع نفسه في الحالين.
ويقابل ذلك في المادة 65 من نظام العمل، في بندها الأوّل، أن يؤدّي العامل العمل وفقًا لأصول المهنة وتعليمات صاحب العمل، بشرط ألّا تخالف تلك التعليمات العقد أو النظام أو الآداب العامّة، وألّا يعرّض تنفيذها أحدًا للخطر. فالمساحة التي يتحرّك فيها الموظّف محدودةٌ بالتعليمات، والتعليمات نفسها محدودةٌ بقيودها المذكورة في البند. وهذان النصّان معًا يرسمان الحدّ، ولا يضع أحدهما معيارًا لقياس «الاختلاف الجوهريّ»، ولم نقف في مراجعنا على ما يفصّله.
لماذا يهمّ هذا إداريًّا حتّى قبل أن يبلغ الحدّ
وأكثر ما يقع من التشكيل لا يقترب من الحدّ النظاميّ أصلًا، ومع ذلك يترك أثرًا يُغفل: الانزياح بين الوصف والواقع. فالوظيفة موصوفةٌ في وثيقةٍ كُتبت في وقتٍ ما، وشاغلها يشكّلها شهرًا بعد شهر، وبعد سنتين يصير ما يؤدّيه شيئًا آخر غير ما تقوله الوثيقة.
وهذا يُفسد أوّل ما يُفسد تحليل الوظائف، لأنّه يجمع معلوماتٍ عن وظيفةٍ صار وصفُها لا يطابقها. ويُفسد بعده ما يُبنى عليه.
ثلاثة مواضع يظهر فيها الانزياح
ولهذا الانزياح علاماتٌ تسبق اكتشافه بسنوات:
- إعلانُ الشاغر. حين تُنشر الوظيفة بعد مغادرة شاغلها، يُكتشف أنّ الوصف المحفوظ لا يجتذب من يؤدّي ما كان يُؤدّى فعلًا. فيُعاد كتابته على عجل، وهو الاعتراف المتأخّر بأنّ الوصف كان متروكًا.
- تسليمُ العمل. من يخلف شاغلًا شكّل وظيفته يجد مهامّ لا يعرف مصدرها ولا سندها، لأنّها لم تُطلب منه ولا كُتبت في مكان. فيسقط بعضها بلا قرار، ويُكتشف سقوطها حين يُحتاج إليها.
- الاعتراض على التقييم. موظّفٌ يُقاس على وصفٍ لم يعد يؤدّيه يعترض، ولا يملك ما يثبت به ما يؤدّيه، ولا يملك مديره ما ينفيه. فتصير المحادثة عن انطباعين لا عن عملٍ موثّق.
والثلاثة أعراضٌ لسببٍ واحد: أنّ ما يجري لم يُسجَّل حين جرى. وكلفتها جميعًا أعلى من كلفة سؤالٍ يُطرح مرّةً في السنة.
المصيدة: التقييم يقع على الوظيفة لا على شاغلها
وتقييم الوظائف يقوم على قاعدةٍ صريحة: أنّه يقيس الوظيفة بغضّ النظر عمّن يشغلها. وإعادة التشكيل هي الحالة التي يصطدم فيها هذا المبدأ بالواقع، لأنّ الشاغل هو الذي غيّر الوظيفة.
فموظّفٌ متميّز وسّع دوره حتّى صار يحمل مسؤوليّةً أكبر ممّا كُتب له. فإن أُعيد تقييم الوظيفة على ما صارت إليه، ارتفعت درجتها، وارتفعت لمن يشغلها بعده أيضًا، وهو قد لا يفعل شيئًا ممّا فعله سلفه. فتكون المنشأة قد رفعت درجة الكرسيّ مكافأةً على ما فعله الجالس. وإن لم يُعد التقييم، بقي الشخص يؤدّي عملًا أعلى من درجته بلا مقابل، وهي الحالة التي تنتهي غالبًا بمغادرته ثمّ اكتشاف المنشأة أنّ من يخلفه لا يؤدّي ما كان يؤدّيه.
ولا يُحلّ هذا بترجيح أحد الطرفين، وإنّما بالفصل بينهما: يُسأل أوّلًا هل تريد المنشأة أن يبقى هذا التوسّع في الوظيفة بعد مغادرة شاغلها؟ فإن كان الجواب نعم، فهو تغييرٌ في الوظيفة يُوثَّق ويُقيَّم ويُعلن. وإن كان لا، فهو إسهامٌ شخصيّ يُكافأ في موضع مكافأة الأشخاص لا في سلّم الوظائف. والسؤالان يُخلطان دائمًا لأنّ الواقعة واحدة.
حيث لا يُترك له مجال
وليست المساحة واحدةً في كلّ عمل. فما يكون فيه الانضباط بالإجراء هو عين السلامة لا يحتمل تشكيلًا في المهامّ: تسلسلُ تشغيلٍ في موقعٍ خطر، أو خطواتُ مناولةٍ لمادّة، أو إجراءٌ رقابيّ يفصل بين من يأذن ومن ينفّذ. وتغييرُ الشاغل لهذه من تلقاء نفسه ليس مبادرة، ولو كان أسرع.
ويبقى في هذه الأعمال نفسها مجالٌ في تشكيل العلاقات والمعنى، وهما لا يمسّان الإجراء. فالقاعدة ليست منع التشكيل أو إباحته على العموم، وإنّما تحديد أيّ أوجهه الثلاثة مفتوحٌ في هذا العمل بعينه. ومنشأةٌ قالت «لا تجتهد» قالت أكثر ممّا تريد، ومنشأةٌ لم تقل شيئًا تركت الحدّ إلى تقدير كلّ فردٍ على حدة.
ما ليس هو
- الإثراء الوظيفي. ذاك تصميمٌ تبدؤه المنشأة فتُضيف إلى الوظيفة عمقًا ومسؤوليّة. وهذا يبدؤه الشاغل. والاتجاه هو الفارق كلّه: الأوّل قرارٌ يُعلن ويُعمَّم على من يشغل الوظيفة، والثاني سلوكٌ فرديّ قد لا تعلم به المنشأة.
- الاستقلالية الوظيفية. تلك المساحة التي يملك الشاغل التصرّف فيها، وهذه ما يفعله بتلك المساحة. فالأولى شرطٌ للثانية: وظيفةٌ لا استقلاليّة فيها لا تُشكَّل إلّا بمخالفة.
- التكليف. ذاك إسنادٌ مؤقّت ومعلن من المنشأة لمهامّ دورٍ آخر، له مبتدأٌ ومنتهى. وهذا تدريجيّ وغير معلن غالبًا وبلا نهايةٍ محدّدة.
- التنقّل الوظيفي الداخلي. ذاك انتقالٌ إلى وظيفةٍ أخرى قائمة، وهذا بقاءٌ في الوظيفة نفسها مع تغيّر محتواها.
متى تبلغ إعادة تشكيل الوظيفة حدّ «الاختلاف الجوهريّ» الذي تذكره المادة 60 من نظام العمل؟
لا تضع المادة 60 من نظام العمل معيارًا لقياس «الاختلاف الجوهريّ»، ولا تخاطب الموظّف بنصّها، ولم نقف في مراجعنا على ما يحدّده، فلا يُعرف منها متى تبلغ إعادة تشكيل الوظيفة ذلك الحدّ، وتبقى معه مسائل ما يترتّب على بلوغه، وأثر التشكيل في الأداء، وقدرُ ما يُسمح به منه، وتسوية ما تراكم منه، وصلة الوصف الوظيفيّ بالعقد:
- معيار الاختلاف الجوهريّ: وصفُ «الاختلاف الجوهريّ» في المادة 60 من نظام العمل لا يصحبه في النصّ معيارٌ لقياسه، ولم نقف في مراجعنا على ما يحدّده.
- التشكيل الذي يبلغ الحدّ: يصف التعريف إعادة تشكيل الوظيفة وموضعها من النصوص، ولا يقرّر ما يترتّب على واقعةٍ بعينها بلغ فيها التشكيل حدّ الاختلاف الجوهريّ.
- الأثر في الأداء: لم نقف في مراجعنا على قياسٍ منشور يحسم في السوق السعودي ما إذا كان التشكيل يرفع الأداء، فلا نبني عليه توصية.
- القدر المسموح به: القدر الذي ينبغي أن يُسمح به من التشكيل يتبع طبيعة العمل ومخاطره، ولا يُقرَّر على العموم.
- التشكيل السابق للتنظيم: المنشآت تكتشف الانزياح بعد سنوات، وتسويةُ ما تراكم من تشكيلٍ قبل أن يُنظَّم مسألةٌ في كلّ حالةٍ على حدة، وليست ممّا يقرّره التعريف.
- الوصف الوظيفيّ والعقد: كون الوصف الوظيفيّ جزءًا ممّا اتُّفق عليه في عقدٍ بعينه يُقرأ من العقد ومن الوثيقة المعتمدة في المنشأة، لا من هذا التعريف.
ما يفعله من يريد أن يستفيد منه
وأوّل ما يُفعل أن يُعترف بوقوعه، لأنّ المنشأة التي تفترض أنّ الموظّفين يؤدّون ما كُتب لهم حرفيًّا تعمل على خريطةٍ لا تصف أرضها. ويلي ذلك أن يُجعل له مخرجٌ معلن: قناةٌ يقول فيها الموظّف ما الذي غيّره ولماذا، فتصير المعلومة عند المنشأة بدل أن تبقى عند صاحبها وحده.
وأنفع موضعٍ لهذه المحادثة هو المراجعة الدوريّة للوصف الوظيفيّ، لا الحديث عن الأداء. فالخلط بينهما يجعل الموظّف يخشى أن يُقرأ ما غيّره تقصيرًا في ما كُتب له، فيسكت عنه.
ثمّ يُفصل في كلّ ما يُذكر بين ثلاثة: ما يُقرّ ويُثبَّت في الوصف لأنّ المنشأة تريده باقيًا، وما يُوقَف لأنّه يمسّ إجراءً لا يُمسّ، وما يُترك بلا قرارٍ لأنّه لا يعني أحدًا غير صاحبه. والثالث هو أكثرها، وحقّه أن يُترك صراحةً لا إهمالًا، فالفرق بينهما يظهر في أوّل مرّة يُسأل فيها عن سنده.
ومنشأةٌ لا يصلها هذا الخبر تكتشفه في يومٍ واحد: يوم يغادر صاحبه.
وما سبق تعريف بالمفهوم وبنصوص نظام العمل حيث ذُكرت، لا استشارة نظامية.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.