تعريف نموذج شاين للثقافة المؤسسية
نموذج شاين للثقافة المؤسسية (بالإنجليزية: Schein Model of Organizational Culture) إطار يصف ثقافة المنشأة في ثلاثة مستويات متدرجة من الظاهر إلى الخفي: المصنوعات المرئية، ثم القيم والمعتقدات المعلنة، ثم الافتراضات الأساسية الضمنية. ويُنسب إلى عالم النفس الأمريكي إدغار شاين (Edgar H. Schein)، وهو مرتبط في الأدبيات بكتابه «Organizational Culture and Leadership» الصادر عام 1985. وفكرته أن ما يراه الزائر في المنشأة قليل الدلالة على ثقافتها ما لم يُفسَّر بما تحته من قيم وافتراضات.
وهو مفهوم إداري يخص قراءة الثقافة وتفسيرها. وما يلي تعريف به وبحدوده، وليس تقريرًا بأن إحدى الثقافات أفضل من غيرها ولا بأن تغيير مستوى ما يغيّر غيره.
ما مصدر النموذج؟
وجود الكتاب وبيانات نشره مسجلان في Crossref من خلال مراجعتين له: مراجعة ويلكنز (Wilkins) في «Human Resource Management»، المجلد 24، العدد 3، عام 1985، ومراجعة هوفستد (Hofstede) في «Organization Studies»، المجلد 7، العدد 2، عام 1986. ومقال لشاين بعنوان «Organizational culture» مسجل في «American Psychologist»، المجلد 45، العدد 2، عام 1990، الصفحات 109 إلى 119. ولم نتحقق من نص أيٍّ منها، فلا ننقل منها عبارة. وما نصفه من المستويات تلخيص بصياغتنا لما يتداوله الكتّاب، وتسمياتها العربية اختيار منا.
ما المستويات الثلاثة؟
- المصنوعات (Artifacts): كل ما يمكن أن يراه ويسمعه من يدخل المنشأة، كتصميم المكاتب وأسلوب اللباس وصيغة المراسلات وطقوس الاجتماعات وهيكل المناصب. وهي سهلة الملاحظة وصعبة التفسير، فالمكتب المفتوح قد يعني الانفتاح وقد يعني توفير المساحة.
- القيم والمعتقدات المعلنة (Espoused Values): ما تقوله المنشأة عن نفسها في وثائقها وخطابات قادتها، كقيمة الشفافية أو الجودة أو خدمة العميل. وهي مقصودة ومعلنة، لكنها قد تطابق ما يجري فعلًا وقد لا تطابقه.
- الافتراضات الأساسية (Basic Underlying Assumptions): قناعات يسلّم بها أهل المنشأة دون وعي غالبًا، عن طبيعة العمل والناس والمعلومات والوقت، حتى لا يعود أحد يناقشها. وتوصف في عرض النموذج بأنها الجذر الذي تنبع منه القيم والمصنوعات.
وتختلف القراءة بحسب المستوى: فالمصنوع يُلاحظ، والقيمة تُسأل عنها المنشأة، أما الافتراض فيُستنتج من أنماط السلوك المتكررة، ولا يُصرَّح به عادةً.
ولتقريب الفرق بين المستويات مثال توضيحي عام لا يخص منشأة بعينها: قد تعلن منشأة «احترام الوقت» قيمة (المستوى الثاني)، وتعلّق ساعات حائط في كل قاعة وتحدد مواعيد الاجتماعات بالدقيقة (المستوى الأول). فإن كان من يصل متأخرًا إلى الاجتماع لا يُسأل عن تأخره بينما يُسأل من يغادر مبكرًا، فقد يشير ذلك إلى افتراض ضمني مختلف، كأن الحضور الطويل دليل على الجدية. وهذا تفسير محتمل يحتاج إلى فحص، وليس حكمًا على المنشأة.
كيف يُقرأ مستوى بعد مستوى؟
يبدأ المحلل عادةً من الأسهل. فيسجّل ما يراه من مصنوعات دون تفسير: كيف يُستقبل الزائر، وكيف تُرتّب القاعات، وما الكلمات التي تتكرر في المراسلات، ومن يجلس إلى رأس الطاولة. ثم ينتقل إلى القيم المعلنة فيجمعها من الوثائق والخطب، ويسأل: أي هذه القيم تُذكر في كل مناسبة، وأيها لا يُذكر إلا في المناسبات الرسمية؟ ثم يضع المصنوعات إلى جانب القيم ويبحث عن مواضع التعارض. وحيث يتعارض المعلن والمرئي يكون الباب إلى المستوى الثالث، فيسأل أهل المنشأة أسئلة مفتوحة عن حوادث بعينها: متى اختلفتَ مع مديرك وماذا جرى؟ وكيف عُوملت آخر مرة أخطأتَ فيها؟ ومن الذي يُستشار في قرار كهذا؟
ولا يصل المحلل بهذا إلى حقيقة نهائية، وإنما إلى فرضية يعرضها على أهل المنشأة ليصححوها. فإن قالوا إنها تصف ما يعيشونه فهي أقرب إلى الصواب، وإن استغربوها فربما كانت قراءة المحلل لا ثقافتهم. وهذا الاختبار يحتاج وقتًا ومشاركة، ولذلك يخطئ من يظن أن النموذج يقدّم قراءة جاهزة بنظرة واحدة.
كيف يختلف عن صفحة الثقافة المؤسسية؟
تعرّف صفحة الثقافة المؤسسية الثقافة بأنها القيم والافتراضات وأنماط السلوك التي تحكم إنجاز العمل فعليًّا، وتميّز بين الثقافة المعلنة والفعلية. أما نموذج شاين فهو إطار لقراءتها: يرتّب ما يُلاحظ في طبقات، ويجعل الفجوة بين المعلن والفعلي سؤالًا يُطرح على كل طبقة. فالمفهومان يتكاملان ولا يتكرران: الأول يعرّف الثقافة، والثاني يقدّم منهجًا لتحليلها.
كيف يظهر في العمل؟
يستعمل الباحثون والمستشارون والموارد البشرية النموذج في مواقف مثل:
- التهيئة: يتعلم الموظف في تهيئة الموظف الجديد المصنوعات أولًا، ثم يكتشف تدريجيًّا ما وراءها حين يرى كيف تُعامل الأخطاء ومن يُرقَّى.
- الاستقطاب: تسأل الإضافة الثقافية عمّا يضيفه المرشح إلى الثقافة لا عمّا يطابقها، وهو سؤال يتطلب فهمًا لما تحت السطح.
- التغيير: تبيّن صفحة إدارة التغيير أن مشروعًا يُسلَّم في موعده قد يعود فريقه إلى الطريقة القديمة، وهو ما يدعو إلى النظر فيما وراء الإجراء الظاهر.
- تشخيص المشكلات: تتبيّن في بيئة العمل السامة أنماط سلوكية متكررة، والنموذج وسيلة لسؤال عمّا يسندها من افتراضات.
- الإعلان عن القيم: يربط مدونة السلوك الوظيفي قيم المنشأة بسلوك مكتوب، ويصبح اختبارها بمقارنتها بما يُكافأ ويُحاسَب عليه فعلًا.
مثال افتراضي: قراءة مستويات الثقافة في منشأة
لنفترض منشأة افتراضية تعلن «الشفافية» قيمةً من قيمها (المستوى الثاني). ومن مصنوعاتها (المستوى الأول): لوحة معلقة بقيمها، ومكاتب مفتوحة، ولوحة مؤشرات داخلية يطّلع عليها الجميع. وأراد فريق الموارد البشرية أن يختبر هذه الصورة، فراجع 6 قرارات اتخذتها الإدارة في ربع سنة، ووجد أن 4 منها أُبلغ بها الموظفون بعد بدء التنفيذ، أي 4 ÷ 6 = 66.7%، وأن 2 فقط أُبلغ بها قبله، أي 2 ÷ 6 = 33.3%. والمجموع 4 + 2 = 6 قرارات.
وقد يقترح الفريق، على سبيل الفرضية لا الحكم، أن افتراضًا ضمنيًّا يعمل في المنشأة، هو أن المعلومة تبقى عند من يقرر ولا تنتقل إلى غيره إلا حين يلزم. ويحتاج هذا الافتراض إلى اختبار بأسئلة ومقابلات وملاحظة قرارات أخرى، لا إلى استنتاج من 6 قرارات. فالعدد صغير، وقد يكون السبب أن بعض القرارات اضطرارية وسريعة. والأرقام افتراضية وُضعت للتوضيح، لا تمثل منشأة حقيقية ولا دراسة. وفائدة المثال أن يبيّن كيف تُقارَن القيمة المعلنة بسلوك قابل للعدّ، وكيف يُحفظ الافتراض فرضية مفتوحة لا حقيقة مؤكدة.
ومن الأسئلة التي يطرحها الفريق على النتيجة نفسها: هل تتفاوت القرارات بحسب من تمسّه؟ وهل يختلف الأمر بين الإدارات؟ وما الذي يقوله الموظفون عن السبب؟ فإن تباينت الإجابات بين مستويات وظيفية فالأرجح أن للمنشأة أكثر من ثقافة فرعية، وهذا أمر لا يظهر في عدّ القرارات وحده.
ما حدود النموذج؟
- الافتراضات تُستنتج ولا تُلاحظ: فمن يقرؤها يضع تفسيره، وقد يختلف قارئان في الجذر الذي يريانه لسلوك واحد.
- وصفي لا تنبؤي: فهو يرتّب ما يُرى ويفسّره، ولا يتنبأ بأداء المنشأة، ولا نعتمد على دراسة تربط بين مستوياته والنتائج.
- يفترض ثقافة واحدة متجانسة: بينما قد تحمل المنشأة الواحدة ثقافات فرعية في أقسامها وفروعها، ولا يفصّل في عرضه المتداول كيف تُقرأ هذه الثقافات.
- لا يقدّم طريقة جاهزة للتغيير: فهو يساعد على فهم موضع الجذر، ولا يقول في عرضه المتداول كيف يُغيَّر.
- إطار واحد من أطر عدة: فهناك أطر أخرى لقراءة الثقافة، ولكل منها ما يظهره وما يخفيه.
كيف يُساء فهمه؟
- أن يُظن أن تغيير الشعارات يغيّر الثقافة: فالتعديل في المستوى الظاهر لا يمس بالضرورة ما تحته، وقد يزيد الفجوة بين المعلن والفعلي.
- أن تُعدّ القيم المعلنة هي الثقافة: فهي طبقة واحدة، وقد تكون أقل صدقًا من المصنوعات.
- أن يُقرأ الافتراض من حادثة واحدة: فالنمط يُستخلص من تكرار.
- أن يُعدّ مقياسًا للثقافة الجيدة: فالنموذج لا يحكم بل يصف.
ما دور الموارد البشرية؟
تستطيع الموارد البشرية أن تستعمل النموذج لتسأل أسئلة أدق عن الثقافة: ما القيمة المعلنة التي لا يؤيدها سلوك متكرر؟ وما المصنوع الذي يعطي إشارة معاكسة لما تقوله المنشأة؟ ومن يُرقَّى ولماذا؟ وما الذي يحدث عند الخطأ؟ ويمكنها أن تجمع الجواب من مقابلات الخروج واستبيانات الموظفين وملاحظة الاجتماعات، لا من شخص واحد. ثم تعرض النتيجة على القادة بصيغة أسئلة مفتوحة لا بصيغة حكم، فالافتراض الضمني يصعب على صاحبه أن يراه. وتجمع عرض القيمة للموظف ما تعد به المنشأة موظفيها، والنموذج وسيلة لمقابلة هذا الوعد بما يجده الموظف في يومه.
ما الذي تسمح به الأدلة؟
لا نقرر أن للمستويات الثلاثة أثرًا مقيسًا في أداء المنشأة أو رضا العاملين، ولم نقف في مراجعنا على أرقام نعتمدها لذلك. ولم نتحقق من نص الكتاب، فلا نحكم هل يقدّم أدلة تجريبية أم تأملات من خبرة استشارية. فالنموذج يُعامل أداة لتنظيم الملاحظة وصياغة الأسئلة، ويُحكم عليه بما يكشفه فعلًا: هل ظهرت فجوة لم تكن معروفة بين ما يُقال وما يُفعل، وهل أفضت إلى قرار أوضح.
ويبقى نموذج شاين طريقة لتذكير القارئ بأن ما يراه في المنشأة جزء من الصورة. وما يُقرَّر بعد ذلك يعتمد على الحالة، وعلى من يملك أن يغيّر ما كشفه التحليل.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.