تعريف اللامركزية الإدارية
اللامركزية الإدارية (بالإنجليزية: Decentralized Management) أن ينتقل حقّ اتّخاذ قراراتٍ بعينها من قمّة المنشأة إلى مستوياتٍ أدنى منها بقاعدةٍ مكتوبة ثابتة، فيصير القرار من صلاحيّة الموضع لا منّةً من شاغل الموضع الأعلى.
وهي مسألة أين يقع حقّ القرار، لا مسألة كم شخصًا يتبع كلّ رئيس، ولا مسألة كيف قُسّمت المنشأة إلى وحدات. وهذا التمييز هو الذي يجعلها قابلةً للقياس: فما دام الحقّ مكتوبًا، أمكن عدّ ما يُبتّ في موضعه وما يصعد.
ليست تفويضًا عارضًا
وهي كذلك ليست مرتبةً واحدة يُنتقل إليها دفعةً واحدة. فبين المركزيّة التامّة واللامركزيّة التامّة مراتبُ متدرّجة: أن يُستشار الأدنى ويبتّ الأعلى، ثمّ أن يقترح الأدنى فيوافق الأعلى، ثمّ أن يبتّ الأدنى ويُخطر الأعلى، ثمّ أن يبتّ الأدنى ولا يُخطر أحدًا. وأكثر ما يقع في المنشآت هو المرتبتان الوسطيّتان، والخلاف يقع عادةً لأنّ الطرفين يظنّان أنّهما في مرتبتين مختلفتين من هذه الأربع.
التفويض واقعةٌ شخصيّة: مديرٌ يعهد إلى موظّفٍ بعينه بأمرٍ بعينه، ويبقى الحقّ عنده، ويسترجعه متى شاء. واللامركزية قاعدةٌ عامّة تلحق بالوظيفة لا بشاغلها، فمن جلس على الموضع وجد الحقّ فيه ومن غادره تركه.
وأثر الفرق عمليّ لا لفظيّ. فالمنشأة التي تدير أمرها بالتفويض ترجع إلى المركزيّة كلّما تغيّر مديرٌ أو وقعت حادثة، لأنّ لا شيء مكتوبًا يمنع الرجوع. والتي كتبت القاعدة تحتاج إلى قرارٍ ظاهرٍ لتعديلها، وهو ما يجعل الرجوع مرئيًّا لا صامتًا.
الحدّ المالي هو المقياس العملي
أوضح صور هذه القاعدة حدُّ صلاحيّة الإنفاق. خذ منشأةً يمرّ بها 1,000 طلب شراءٍ في السنة، وحدُّ صلاحيّة مدير الفرع 5,000 ريال، وافترض أنّ 820 طلبًا منها تقع دون الحدّ:
- ما يُبتّ في موضعه: 820 طلبًا.
- ما يصعد إلى المركز: 180 طلبًا، أي 18% من الطلبات.
ثمّ ارفع الحدّ إلى 20,000 ريال، فافترض أنّ الصاعد صار 60 طلبًا، أي 6%. فقد نزل عدد ما يصعد 120 طلبًا، أي ثلثي ما كان يصعد.
ويلزم التنبيه هنا إلى أنّ توزيع الطلبات على قيمها مفترضٌ في هذا المثال، وهو في الواقع يختلف من نشاطٍ إلى نشاط. والذي لا يختلف هو شكل العلاقة: رفع الحدّ ينقص عدد ما يصعد ولا ينقص قيمته بالقدر نفسه، لأنّ الطلبات الكبيرة قليلة العدد كثيرة القيمة. فمنشأةٌ رفعت حدّها فأسقطت ثلثي الصاعد عددًا قد لا تكون أسقطت من القيمة الصاعدة إلّا جزءًا يسيرًا.
العائد وقتٌ يُحسب
افترض أنّ صعود الطلب إلى المركز يضيف 4 أيّام عملٍ إلى مدّته. فالحالة الأولى تُنتج 720 يوم تأخيرٍ في السنة على مجموع الطلبات، والثانية تُنتج 240 يومًا.
وهذه الأيّام لا تظهر في أيّ سجلّ كلفة، لأنّها لا تُصرف مالًا. وهي مع ذلك الثمن الحقيقي للمركزيّة في أكثر المنشآت: بضاعةٌ تأخّرت، وصيانةٌ انتظرت، وعرضٌ فات. ومن أراد أن يقايض بين مركزيّةٍ ولامركزيّة فليضع هذه الأيّام في ميزان المقايضة، وإلّا بدت المركزيّة بلا ثمن.
الثمن في الجهة المقابلة: تفرّق القرار
خذ ستّ وحداتٍ تشتري الصنف نفسه، كلّ واحدةٍ من مورّدها. افترض أنّ الأسعار التي حصلت عليها كانت 100 و102 و104 و108 و110 و112. فمتوسّط ما دُفع 106، وأفضل سعرٍ حصلت عليه إحداها 100.
فلو اشترت الوحدات الستّ كلّها بالسعر الأفضل لنزل ما تدفعه بنسبة 5.66% من إنفاقها الفعلي. وهذا هو المكسب الذي تعد به المركزيّة في الشراء، وهو مكسبٌ حقيقيّ لا يُنكر.
غير أنّه مشروطٌ بأمرٍ لا يُذكر معه عادةً: أن يكون السعر الأفضل متاحًا للجميع فعلًا. فوحدةٌ في مدينةٍ أخرى قد لا يصلها ذلك المورّد، ووحدةٌ تشتري كمّيّةً صغيرة قد لا تُمنح ذلك السعر. ومن حسب الوفر على أنّ الجميع يبلغ الحدّ الأدنى حسب وفرًا بعضه غير قابلٍ للتحصيل.
درجة اللامركزية ليست واحدةً في المنشأة
الخطأ الشائع أن يُسأل: هل المنشأة مركزيّة أم لامركزيّة؟ والسؤال الصحيح: في أيّ قرار؟ فمنشأةٌ واحدة قد تترك الإنفاق التشغيلي للفروع وتحتفظ بقرار التوظيف في المركز، وقد تعكس الأمرين.
وأنفع ما يُكتب في هذا الباب جدولُ صلاحيّاتٍ يُذكر فيه لكلّ نوع قرارٍ من يبتّ فيه ومن يُستشار ومن يُخطَر، وهو المعنى الذي تتناوله صفحة مصفوفة RACI. فبغير ذلك يبقى الحقّ مفهومًا ضمنيًّا، ويُكتشف موضعه عند أوّل خلاف.
ويشتدّ هذا حيث تتقاطع الخطوط، كما في التنظيم المصفوفي: موظّفٌ له رئيسان لا يعرف أيّهما يبتّ في طلبه إن لم يُكتب ذلك، فيصعد الطلب إلى من فوقهما، وتعود المركزيّة من حيث لم تُقصد.
قرارات الموظّفين هي أصعب ما يُنقل
ما تقدّم في الشراء يستقيم لأنّ المشتَرى يُقارن بالسعر. أمّا قرارات التوظيف والأجر فأثر تفرّقها لا يظهر في فاتورة، وإنّما يظهر بعد سنةٍ أو سنتين في مقارنةٍ بين موظّفَين.
خذ وحدتين وظّفت كلٌّ منهما الوظيفة نفسها بقرارها: الأولى عند 9,000 ريال والثانية عند 11,000 ريال. الفرق 2,000 ريال، أي أنّ الثانية تدفع أكثر بنسبة 22.2% من أجر الأولى للعمل نفسه.
ولا يبقى هذا الفرق مكتومًا. فمتى انتقل أحدهما إلى الوحدة الأخرى، أو التقيا في مشروعٍ مشترك، صار الفرق معلومًا، ولزم إمّا تبريره بفرقٍ حقيقيّ في العمل وإمّا معالجته برفع الأدنى. والمعالجة ترفع الكلفة الدائمة، لأنّ الأجر لا يُخفض بعد أن ارتفع.
ولهذا تفرّق أكثر المنشآت بين نوعين: قرارٌ يُترك للوحدة، وقرارٌ يُترك لها داخل إطارٍ موحّد يضعه المركز. فيُترك للوحدة اختيار من توظّف، ويبقى جدول الأجر والدرجات موحّدًا. وهذا هو الموضع الذي يتقرّر فيه دور إدارة الموارد البشرية نفسه، وتفصيله في صفحة نموذج تشغيل الموارد البشرية.
أربعة شروطٍ بدونها تنقلب
- المعلومة عند موضع القرار. من نُقل إليه حقّ الشراء ولا يرى السعر المتاح لغيره يقرّر بأقلّ ممّا كان يقرّر به المركز.
- القاعدة مكتوبة بحدٍّ صريح. «الأمور البسيطة تُبتّ في الفرع» ليست قاعدة، لأنّ البساطة تُقدَّر تقديرًا ويُختلف فيها عند أوّل خطأ.
- أن تصل نتيجة القرار إلى من اتّخذه. فمن يقرّر ولا يرى أثر قراره في أرقامه لا يتحسّن قراره بمرور الوقت.
- مراجعةٌ بعديّة بالعيّنة. لا موافقةٌ قبليّة، لأنّ الموافقة القبليّة هي المركزيّة نفسها بعد تسميتها مراجعة.
ثلاثة أشياء ليست هي
- نطاق الإشراف. ذاك يتناول كم موظّفًا يتبع الرئيس الواحد، وهذه تتناول ما يملك الرئيس أن يبتّ فيه. ورئيسٌ يتبعه ثلاثون موظّفًا وليس له حدُّ إنفاقٍ يبلغ ألف ريال واسع النطاق شديد المركزيّة في آن.
- الهيكل التنظيمي بالوحدات. ذاك يتناول على أيّ محورٍ قُسّمت المنشأة، وهذه تتناول ما نُقل إلى الأقسام من حقوق. والتقسيم إلى وحداتٍ بلا نقل حقوقٍ إليها يُنتج وحداتٍ بالاسم يقرّر عنها المركز.
- الفريق ذاتي الإدارة. ذاك ترتيبٌ في تنفيذ العمل داخل فريقٍ صغير، وهذه قاعدةٌ في توزيع حقّ القرار على مستويات المنشأة. وقد تكون المنشأة لامركزيّة وليس فيها فريقٌ واحد بهذا الوصف.
ما يُفسدها
- نقل الحقّ وإبقاء الموافقة. حدُّ صلاحيّةٍ مكتوب يعقبه طلب «إحاطة» لا يمضي القرار قبل ردّه، وهو استئذانٌ بلفظٍ آخر.
- الرجوع بعد خطأٍ واحد. خطأٌ في قرارٍ واحد يُعالج بسحب الحقّ من الجميع، فتضيع القاعدة ويبقى أثرها في ثقة من بقي.
- حدودٌ لا تُراجع مع تغيّر الأسعار. حدٌّ وُضع قبل سنواتٍ يصير مع ارتفاع الأسعار أضيق ممّا قُصد، فتزيد نسبة الصاعد بلا قرارٍ من أحد.
- نقل الحقّ بلا نقل الموارد. من طُلب منه أن يقرّر ولم تُعطَ له ميزانيّةٌ يقرّر فيها يصير مسؤولًا عن نتيجةٍ لا يملك أسبابها، وهي أسوأ من المركزيّة الصريحة لأنّها تُسمّى صلاحيّةً وليست كذلك.
- لامركزيّةٌ بلا توحيدٍ لِما يجب توحيده. ترك تعريفات البيانات وقواعد التصنيف لكلّ وحدة يُنتج تقاريرَ لا تُجمع، فيضطرّ المركز إلى بنائها من جديد.
ما الحدّ المناسب لصلاحيّات اللامركزية الإدارية في السوق السعودي؟
ليس بين أيدينا مرجعٌ منشور للحدّ المناسب لصلاحيّات اللامركزية الإدارية في السوق السعودي، وحساب الأثر أعلاه ليس توصيةً برقم:
- الحدّ المناسب: لا نملك مرجعًا منشورًا للسوق السعودي لحدٍّ مناسب للصلاحيّة في اللامركزية الإدارية، وما ذُكر أعلاه حسابُ أثرٍ لا توصيةٌ برقم.
- ترتيب نقل القرارات: لا يقرّر هذا التعريف أيّ القرارات أولى بالنقل، وهو قرارٌ يختلف باختلاف النشاط وحجم المنشأة.
- أرقام الأمثلة: هي أرقامٌ مفترضة لبيان الحسبة، وتوزيع الطلبات على قيمها مفترضٌ كذلك كما تقدّم.
قبل أن يُنقل حقّ قرار
يُكتب أربعة أسطر: ما القرار بعينه، وما حدّه إن كان له حدّ، ومن يُخطَر به بعد وقوعه، وكيف يُراجع لاحقًا. فبغير الأوّل يتّسع الحقّ إلى ما لم يُقصد، وبغير الثاني يبقى التقدير محلّ خلاف، وبغير الثالث يعلم المركز بالقرار من نتيجته، وبغير الرابع لا يتحسّن القرار ولا تُكتشف مواضع ضعفه.
ثمّ يُقاس شيءٌ واحد بعد سنة: كم بلغت نسبة ما صعد إلى المركز رغم وقوعه دون الحدّ. فهذه النسبة أصدق ممّا يُكتب في الجداول، لأنّها تقيس ما يفعله الناس لا ما أُذن لهم به. وارتفاعها يعني أنّ الحقّ نُقل على الورق ولم يُنقل في العمل، وسببه في الغالب أنّ من نُقل إليه لا يجد من يحميه إن أخطأ.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.