تعريف أثر هوثورن
أثر هوثورن (بالإنجليزية: Hawthorne Effect) تغيُّرُ سلوك الناس لأنّهم يعلمون أنّهم مقيسون، لا لأنّ شيئًا تغيّر في عملهم. فالقياس نفسه يدخل في المقيس، ويصير جزءٌ من النتيجة أثرًا للملاحظة لا أثرًا للتغيير الذي يُراد تقديره.
وسُمّي كذلك نسبةً إلى سلسلة تجارب أُجريت في مصنع هوثورن في عشرينيات القرن الميلادي الماضي وثلاثينيّاته. وقد اختُلف بعدُ في تفسير نتائج تلك التجارب نفسها، والمقصود هنا هو المعنى الذي استقرّ عليه اللفظ في الاستعمال الإداري لا القول في تلك النتائج.
وتنبيهٌ يُذكر أوّلًا: هذا الأثر ليس حجّةً على ترك القياس. فالقياس بلا انتباهٍ إليه يُنتج رقمًا يُبنى عليه قرارٌ خاطئ، وتركُ القياس يُنتج قرارًا بلا رقمٍ أصلًا. والمقصود ضبطُ قراءة الرقم لا الاستغناء عنه.
التجربة التي نجحت ثمّ لم تتكرّر
خذ منشأةً جرّبت أداةً جديدة في ترتيب العمل على فريقٍ واحد فيه عشرون موظّفًا. وكان إنتاج الفرد اليومي قبلها 84 وحدة، فبلغ في أسابيع التجربة 96 وحدة، أي زيادة مقدارها 14.3%.
ثمّ عُمّمت الأداة على 240 موظّفًا، فاستقرّ الإنتاج على 87 وحدة، أي زيادة مقدارها 3.6%. فالأثر الذي قامت عليه الحسبة أكبرُ من الواقع أربع مرّات بالضبط: اثنتا عشرة وحدةً مقابل ثلاث.
وأثر ذلك في الميزانية أوضح منه في النسبة:
- الزيادة المتوقَّعة على مقياس التجربة: 240 في 12، أي 2,880 وحدة في اليوم.
- الزيادة الواقعة: 240 في 3، أي 720 وحدة في اليوم.
فالمتحقّق 25% ممّا وُعد به، والأداة نفسها لم تتغيّر ولا طريقة استعمالها. والذي تغيّر أنّ العشرين كانوا يعلمون أنّهم مقيسون، وأنّ الأربعين والمئتَين لا يعلمون شيئًا من ذلك.
الفرق بين لقطةٍ ومنحنى
الأثر لا يدوم، وهذا بابُ اكتشافه. فلو قُرئ إنتاج فريق التجربة على مدى المدّة لا في أوّلها:
- الأسبوع الأوّل: 96 وحدة، أي 14.3% زيادة.
- الأسبوع الرابع: 92 وحدة، أي 9.5%.
- الأسبوع الثامن: 88 وحدة، أي 4.8%.
- الأسبوع الثاني عشر: 87 وحدة، أي 3.6%.
فالقيمة المستقرّة 87، وهي نفسها التي ظهرت بعد التعميم. ومقتضى ذلك أنّ التجربة لم تكن مخطئة، وإنّما قُرئت في الأسبوع الخطأ. والقاعدة العملية الوحيدة المستخرَجة من هذا: يُقاس أثرُ التجربة في آخرها لا في أوّلها، وتُمدّ المدّة حتى يستقرّ الرقم لا حتى يبلغ ما يُرجى.
ليس كلّ فارقٍ بين التجربة والتعميم أثرَ هوثورن
وهذا قيدٌ يلزم ذكره، لأنّ اللفظ يُستعمل تفسيرًا جاهزًا لكلّ تجربةٍ لم تُعمَّم نتيجتها. وأربعة أسبابٍ أخرى تُنتج الفارق نفسه:
- اختيار فريق التجربة. فالتجربة تُجرى في الغالب على أقدر فريقٍ وأقربه استعدادًا، فيكون بعض الفارق فرق الفريق لا فرق الأداة.
- الإسناد الذي لا يتوسّع. فمدرّبٌ واحد لعشرين ليس كمدرّبٍ واحد لمئتَين وأربعين، والفارق في النتيجة فارقٌ في الإسناد.
- عناية الإدارة. فالتجربة تُتابَع أسبوعيًّا من مستوًى أعلى، وذلك وحده يحرّك الأرقام ثمّ ينقطع عند التعميم.
- الجِدّة. فارتفاعٌ يصحب كلّ جديد ثمّ ينحسر، وهو قريبٌ من أثر هوثورن ومفترقٌ عنه: هذا سببه الجديد نفسه، وذاك سببه العلم بالقياس.
والاختبار الذي يفرّق بينها واحد، ويُجرى بعد التعميم لا قبله: يُتابَع فريق التجربة نفسه. فإن هبط هو أيضًا إلى 87 مع بقيّة المنشأة، فالفارق كان في القياس والمتابعة. وإن بقي عند 96 بينما بلغ غيرُه 87، فالفارق كان في الفريق أو في إسناده، والأداة تعمل عند من يُسنَد.
ومن الحسبة نفسها يظهر أثر الاختيار. فلو كان متوسّط المنشأة قبل التجربة 78 وحدة، وكان فريق التجربة عند 84، فهو أصلًا فوق المتوسّط بـ7.7% قبل أن يُجرَّب عليه شيء. ومن قارن 96 بمتوسّط المنشأة 78 خرج بـ23.1%، وهي نسبةٌ أكثرُها ليس من الأداة في شيء. فالمقارنة تكون بالفريق نفسه قبلُ وبعدُ، لا بمتوسّط من لم يدخل التجربة.
الاتّجاه المعاكس يقع أيضًا
وكما يرتفع أداء من يعلم أنّه في التجربة، يرتفع أداء من يعلم أنّه في المجموعة التي تُقارَن بها. فمجموعةٌ ضابطة عَلِم أفرادها أنّهم المرجع قد يزيدون جهدهم، فتضيق المسافة بين المجموعتَين، ويظهر أثر الأداة أصغر ممّا هو.
فالخطأ يقع في الاتّجاهَين: تضخيمٌ من جهة المقيسين بالتجربة، وتصغيرٌ من جهة المقارَن بهم. ومن اكتفى بالحذر من الأوّل قد يُسقط أداةً نافعة لأنّ الفرق ظهر ضئيلًا، وهو أخسر الخطأين لأنّه لا يُكتشف أبدًا: المشروع الذي أُلغي لا يُعرف ماذا كان سيُنتج.
موضعه من قياس الموارد البشرية نفسه
الأثر لا يخصّ تجارب الإنتاج وحدها، وأكثر ما يقع في هذا الباب في ثلاثة مواضع:
- مراجعة الحضور. فالإعلان بأنّ سجلّات الحضور ستُراجَع يرفع انتظام الحضور في مدّة المراجعة، فتخرج المراجعة بنتيجةٍ تصف سلوك الناس تحت المراجعة لا سلوكهم المعتاد.
- الاستبيانات. فاستبيانٌ يُجرى بعد إعلان نتائجه للمديرين يُجاب عنه بغير ما يُجاب به عن استبيانٍ لا يُعرف من يقرؤه. وتفصيل الترتيب الذي يقلّل ذلك في استبيان النبض.
- تجارب التقييم. فقسمٌ يُجرَّب فيه ترتيبٌ جديد في التقييم يُعتنى فيه بالتوثيق عنايةً لا تدوم بعد انتهاء التجربة، فتُنسب إلى الترتيب جودةٌ كان مصدرها العناية.
ولهذا يُقرأ هذا الأثر مع ما تقرّره تحليلات الموارد البشرية في الخطأ المنهجي المتكرّر: أنّ الرقم الذي يبدو دليلًا قد يكون أثرًا لطريقة جمعه.
ثلاثة أشياء ليس هو
- انحياز المقيِّم. ذاك خللٌ في من يقيس، وهذا تغيّرٌ في من يُقاس. والفرق عملي: الأوّل يُعالَج بتدريب المقيّمين وبأوصافٍ فارقة للدرجات، والثاني لا يُعالج بشيء من ذلك لأنّ المقيّم فيه على صواب.
- تحسّنًا كاذبًا. فالزيادة وقعت فعلًا في أسابيع التجربة، والوحدات أُنتجت. والخطأ في نسبتها إلى الأداة وفي افتراض دوامها، لا في وقوعها.
- سببًا لترك التجريب. فالتجربة على فريقٍ واحد أرخص من التعميم على مئتَين وأربعين، والمطلوب تصحيح قراءتها لا الاستغناء عنها.
الأثر يتبع ما يظنّه المقيس لا ما يُقال له
ومن دقيق هذا الباب أنّ شدّة الأثر لا تتبع الإعلان وحده، وإنّما تتبع ما يعتقده المقيس عمّا سيُبنى على الرقم. فقياسٌ يُفهم منه أنّه لتحسين الأداة يُغيّر السلوك قليلًا، وقياسٌ يُفهم منه أنّه لتقرير من يبقى في الوحدة يُغيّره كثيرًا.
ولهذا فإنّ الإفصاح عن الغاية من القياس ليس بابًا من الشفافية فحسب، بل هو ضبطٌ للأداة نفسها: إخبار الناس بما سيُفعل بالرقم يقلّل التقدير الخاطئ الذي يُبنى عليه سلوكهم. وأمّا القياس بلا بيان غايته فيُنتج أشدّ صور هذا الأثر، لأنّ كلّ واحدٍ يفترض أسوأ الاحتمالات ويتصرّف عليه.
وهذا هو نفسه سبب اختلاف الرقم بين قياسٍ يُعلَن أنّه للمنشأة وقياسٍ يُعلَن أنّه للوحدة. فالثاني يُقرأ عند من فيه حكمًا على مديرهم أو عليهم، وهو موضعٌ يُقرأ مع تفاعل الموظفين في قياسه على الفريق.
ما يقلّل أثره
- خطُّ أساسٍ من سجلّاتٍ قائمة. فأخذه من بياناتٍ تُجمع أصلًا قبل إعلان التجربة يُعطي مرجعًا لم يتأثّر بالإعلان.
- إطالة المدّة. فالأثر ينحسر بمرور الوقت، والقياس بعد استقرار الرقم يقارب ما سيقع بعد التعميم.
- جعل القياس روتينًا لا حدثًا. فما يُقاس دائمًا يقلّ فيه هذا الأثر، وما يُقاس مرّةً في السنة بإعلانٍ مسبق يبلغ فيه أشدّه.
- تجربةٌ ثانية على فريقٍ آخر. فتكرار التجربة على فريقٍ لم يُختَر لقدرته يفصل أثر الأداة عن أثر الفريق بأرخص من التعميم.
- قياس ما لا يُدار بالنيّة. فمؤشّرٌ يتحرّك بجهدٍ إرادي في أسبوعٍ واحد أقبلُ لهذا الأثر ممّا يتحرّك ببنيةٍ في العمل، ويُقرأ الأوّل مع معايير الأداء لا وحده.
ما لا تقطع به هذه الصفحة
- مقدارًا لهذا الأثر. فلا نقرّر نسبةً يُخصم بها من نتيجة أيّ تجربة، والأرقام أعلاه مفترضة لبيان الشكل.
- حكمًا في التجارب الأصلية. فتفسيرها محلّ خلافٍ قائم، ولا تقرّر هذه الصفحة فيه شيئًا.
- تصميمًا للتجارب. فذلك بابٌ له أهله وأدواته، وما هنا تعريفٌ لمصدر خطأٍ في القراءة.
- حكمًا نظاميًّا يتعلّق بمراقبة الأداء أو الحضور. فذلك يُقرأ من مواضعه.
قبل أن يُعمَّم نتاج تجربة
أنفع اختبارٍ قبل التعميم أن يُسأل: هل كان فريق التجربة يعلم أنّه في تجربة؟ فإن كان الجواب نعم، فالرقم يحتمل جزءًا من هذا الأثر بمقدارٍ غير معلوم، ويُعرض القرار على هذا الأساس لا على أنّ الرقم نهائي.
ثمّ يُطلب رقمان قبل الاعتماد: قيمةُ المؤشّر في آخر مدّة التجربة لا في أوّلها، والفرقُ بين آخرها وأوّلها. فإن كان الفرق كبيرًا هابطًا، فالأثر ظاهرٌ فيه، ويُبنى القرار على القيمة المستقرّة. وإن كانت المدّة أقصر من أن يظهر فيها هبوط، فالجواب أنّ التجربة لم تنتهِ بعد، لا أنّ نتيجتها مرتفعة.
أدِر موظفي منشأتك على قيود HR
ملفات الموظفين والعقود والوثائق، ومسير الرواتب والحضور والإجازات في نظام واحد.
نظام مستقل باشتراكه الخاص، والربط مع قيود المحاسبة متاح الآن.