من النمو والتوسع، إلى تحقيق القيمة
قسّمت وثيقة الصندوق مسيرته منذ التأسيس إلى أربع مراحل متتالية، كل واحدة منها بنت على ما سبقتها. مرحلة التأسيس (1971-2014) أرست الركائز المؤسسية الأولى. مرحلة التحول (2015-2020) رسّخت مكانة الصندوق الريادية عالميًا وبنت قدراته المؤسسية. مرحلة النمو والتسارع (2021-2025) وسّعت نطاق الاستثمارات على مستوى غير مسبوق. والآن، مرحلة تحقيق القيمة (2026-2030) تمثل الفصل الرابع من هذه المسيرة.
المصدر: صندوق الاستثمارات العامة، وثيقة استراتيجية 2026-2030 (النسخة العامة).
وبحسب الوثيقة، فإن هذه المرحلة الجديدة ليست بداية منفصلة، بل امتداد طبيعي لما تحقق. وحددت الوثيقة ثلاثة تحولات رئيسية تميّزها:
- من التوسع والنمو إلى تعزيز الكفاءة: الانتقال من توظيف رأس المال على نطاق واسع إلى التركيز على الاستثمار النشط وتعزيز التميز التشغيلي والاستدامة المالية.
- من بناء القطاعات إلى تكامل المنظومات: التركيز على تحقيق قيمة مستدامة ضمن ست منظومات اقتصادية متكاملة تفتح مجالات أوسع أمام القطاع الخاص.
- من قيادة القطاع العام إلى تمكين القطاع الخاص: هيكلة الاستثمارات وفق نهج استراتيجي يسهم في تحفيز مشاركة القطاع الخاص، وتوجيه الأصول الجاهزة نحو مسارات نمو تتماشى مع توجهات السوق.
الأرقام الأساسية: نمو الأصول تحت الإدارة
من 500 مليار ريال في 2015 إلى أكثر من 3.4 تريليون ريال في 2025، نمو تراكمي يفوق ستة أضعاف خلال عقد واحد، كما ورد نصًا في الوثيقة.
المصدر: وثيقة استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026-2030.
يعكس هذا النمو، بحسب الوثيقة، توسع محفظة الصندوق عبر الاستثمارات المحلية والدولية التي تشمل أكثر من 220 شركة، تُعزّز القدرات الوطنية وتُحفّز مجالات جديدة من النشاط الاقتصادي. وخلال الفترة بين 2021 و2025، ارتفعت مساهمة الصندوق في إجمالي الناتج المحلي غير النفطي لتبلغ أكثر من 1,286 مليار ريال سعودي بشكل تراكمي، أي ما يصل إلى نحو 11% من حجم الناتج المحلي غير النفطي في عام 2025.
المصدر: وثيقة استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026-2030.
سبعة أهداف تحدد أولويات الصندوق
حددت الوثيقة سبعة أهداف استراتيجية يعمل الصندوق على تحقيقها خلال المرحلة الحالية.
تنفيذ الاستثمارات والمشاريع التي تحفز وتمكّن المنظومات الاقتصادية المحلية.
إدارة الأصول الاستراتيجية بشكل فعّال لتعظيم إمكاناتها.
تعظيم العوائد المالية المعدلة حسب المخاطر على المدى الطويل.
تعزيز مصادر تمويل الصندوق لتحقيق استثمارات مستدامة.
تعزيز التكامل وتعظيم القيمة بين المحافظ الاستثمارية لرفع أدائها وتحقيق إمكاناتها.
تعظيم الأثر الاقتصادي وتعزيز سلاسل القيمة لاستثمارات الصندوق من خلال التعاون الفعّال مع القطاع الخاص والجهات الحكومية.
تعزيز المنظومة المؤسسية من خلال رفع كفاءة الإنفاق التشغيلي، وتطوير مرونة التنفيذ وضوابط التحكم، وتعزيز التعاون، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المدعومة بالبيانات.
ست ركائز توجّه كل قرار استثماري
يستند النهج الاستثماري للصندوق إلى مجموعة واضحة من المبادئ التي تُحدد الفرص وتقييمها وترتيبها حسب الأولوية.
التوسع المدروس
يعمل الصندوق ضمن إطار استثماري موحد يتيح توجيه رأس المال إلى الاستثمار الأفضل، وتعزيز الإشراف على الاستثمارات.
الاستثمار النشط
يُعد الصندوق مستثمرًا نشطًا، ويعمل بشكل وثيق مع شركات محفظته لتعزيز أدائها ومرونتها المؤسسية.
الاستثمار على المدى الطويل
يوظف الصندوق رأس المال طويل المدى في محفظة تتميز بالتركيز والمرونة، مع معايير أداء تمتد لسنوات عديدة.
الخيارات الاستثمارية الواثقة
يستثمر الصندوق في المشاريع والقطاعات ذات الأولوية والشركات الرائدة في مجالاتها، مستهدفًا فرصًا تجمع بين إمكانية التوسع والتوقيت الصحيح.
الاستثمارات الوطنية
تتحول الاستثمارات المحلية إلى قوة فاعلة في الاقتصاد، من خلال بناء منظومات متكاملة وتوسيع نطاق مشاركة القطاع الخاص.
الشراكات
يرتكز الصندوق في استثماراته على شراكات راسخة مع جهات رائدة محليًا وعالميًا لتعزيز القدرات وتوزيع المخاطر.
وإلى جانب هذه الركائز، حددت الوثيقة أربعة مبادئ لآلية اتخاذ القرارات الاستثمارية:
الخيارات الاستثمارية المدروسة والواثقة تحدد مسار النجاح في المشاريع والقطاعات ذات الأولوية.
الشراكات تسهم في تعزيز القدرات وتسريع الأثر من خلال توزيع المخاطر والاستثمارات المشتركة.
الاستثمار النشط يحقق قيمة مستدامة من خلال سياسات الحوكمة والإشراف الاستراتيجي.
الاستثمار طويل المدى يعزز العوائد المعدلة حسب المخاطر عبر مختلف دورات السوق الاقتصادية.
هيكلية المحفظة: ثلاث محافظ استثمارية
وزّع الصندوق استثماراته على ثلاث محافظ، لكل منها دور محدد في تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
تهدف إلى الاستثمار في ست منظومات اقتصادية متكاملة وتحفيز نموها للاستفادة من الفرص الاقتصادية المتنامية، وتعزيز المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي في المملكة.
تركز على إدارة وتعظيم عوائد الأصول الاستراتيجية، وزيادة الأثر الاقتصادي لشركات الصندوق، ودعم جهود تحولها إلى شركات عالمية رائدة في قطاعات المستقبل الواعدة.
تركز على تعظيم وتنويع العوائد المالية المستدامة من خلال استثمارات الصندوق مع كبرى الشركات الاستثمارية العالمية، لتعزيز مكانته المالية ومواصلة تنمية الثروات الوطنية.
المنظومات الاقتصادية الست: المحرك الرئيسي للتنمية الوطنية
ضمن محفظة الرؤية، حددت الوثيقة ست منظومات اقتصادية متكاملة. لكل منظومة هدف محدد، وفرص استثمارية، وأولويات، وشركات مرتبطة بها.
قيام منظومة سياحية وترفيهية عالمية المستوى في المملكة، تجمع ما تحظى به المملكة من مزايا ثقافية وسياحية، إلى جانب خدمات الضيافة ونمط الحياة الحيوي، مع العناية بخدمات النقل لضمان تجربة مميزة للسياح.
تنويع العوائد من خلال الاستثمار في القطاع السياحي المتنامي في المملكة، الذي يشهد طلبًا متزايدًا على تجارب الترفيه الفريدة.
تطوير قطاع الرياضة ومرافق الضيافة والترفيه والفعاليات في مختلف أنحاء المملكة، وتعزيز إمكانية الوصول من خلال البنية التحتية للطيران والنقل، وإطلاق قدرات الخدمات الداعمة الأساسية.
التركيز على تحسين جودة الحياة من خلال استثمارات تهدف لتطوير مدن ومشاريع حضرية مستدامة محورها الإنسان.
الاستفادة من القيمة الاقتصادية طويلة الأمد المتوفرة بفضل وجود فئات كبيرة من الشباب في المملكة، إلى جانب النمو السكاني الذي ينعكس ارتفاعًا في الطلب على المشاريع السكنية والتجارية والمتعددة الاستخدامات وذات الجودة العالية.
تطوير المجتمعات السكنية في الأسواق الأساسية في المملكة، بما يشمل مستويات دخل متنوعة، إلى جانب تطوير المناطق التجارية، وقدرات خدمات البناء، وإدارة المرافق، والتمويل.
بناء اقتصاد المملكة المستقبلي في مجال التصنيع المتقدم، من خلال تطوير منظومات تجمع بين المبتكرين والمستثمرين والمنظمين في القطاعات التي تتطلب الابتكار، مع التركيز على المنتجات ذات القيمة الاقتصادية المضافة التي تسهم بتعزيز الصادرات.
الاستفادة من التطورات التي تشهدها الصناعات الطويلة الأمد، وبينها التكنولوجيا والتصنيع المتقدم، من خلال الاستثمارات المرتبطة بقطاعات المستقبل الواعدة ذات العوائد المرتفعة.
توطين صناعات الذكاء الاصطناعي والسيارات والتنقل المتقدم وصناعة الأدوية، والطيران، والفضاء والدفاع والمناطق الصناعية والبنية التحتية المتخصصة.
دعم تطوير البنية الأساسية للاقتصاد في المملكة، وتعزيز شبكة الخدمات اللوجستية والصناعات الأساسية.
تحقيق عوائد مستدامة وقابلة للنمو من خلال الاستثمار في الأصول الصناعية واللوجستية الأساسية مع استمرار السعودية في توسيع قاعدتها الصناعية والاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي.
تنمية الإنتاج المحلي للمعادن ومواد التعدين والبناء، والاستفادة من فرص التصدير وتطوير اللوجستيات الحيوية من خلال الموانئ والمناطق المتخصصة وتعزيز خطوط النقل.
الحفاظ على الريادة العالمية للمملكة في مجال الطاقة، من خلال تطوير موارد طاقة مستدامة وآمنة وبأسعار معقولة، مع تعزيز الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي والوظائف والصادرات.
الاستفادة من الفرص طويلة الأمد الناتجة عن التحول العالمي للطاقة، والمكانة الرائدة للمملكة في قطاع الطاقة، والطلب المتزايد على الطاقة المتجددة والبنية التحتية المرتبطة بها.
تطوير وتوطين قدرة الطاقة المتجددة، وزيادة القدرة على توليدها، وتطوير عمليات تدوير النفايات المستدامة، ومواصلة جهود تحلية المياه.
أن تكون نيوم نموذجًا لاقتصاد المستقبل المستدام، مع مكانة عالمية متقدمة في تمكين ريادة الأعمال، والتنوع الاقتصادي والكفاءات، وإحداث أثر مستقبلي طويل الأمد.
الاستفادة من الموقع الاستراتيجي الفريد لنيوم، ومناخها المعتدل، وإمكاناتها لتطوير بنى تحتية على نطاق واسع، لتصبح مركزًا عالميًا للابتكار والفرص الاقتصادية.
إعطاء الأولوية للمشاريع الاستراتيجية، بما في ذلك ميناء نيوم، والمرافق الصناعية في أوكساجون، ومشروع الهيدروجين الأخضر، ومرافق الذكاء الاصطناعي.
أمثلة من شركات المحفظة كما وردت في ملحق الوثيقة
تضمّنت الوثيقة قسمًا مخصصًا لعرض أمثلة تفصيلية على أداء بعض شركات المحفظة.
روشن
تبني مجتمعات متكاملة في مختلف أنحاء المملكة، تتيح للعائلات السكن والعمل والتسوق والتعليم، مع وجود المدارس ومرافق الرعاية الصحية والمرافق التجارية على مسافة قريبة مشيًا على الأقدام.
البحر الأحمر الدولية
منتجعات تعمل بالكامل على الطاقة المتجددة عبر 760 ألف لوح شمسي ومنشأة بطاريات بطاقة 1,200 ميغاواط ساعة، وأول شركة سعودية تحصل على شهادة الأيزو 37000 في مجال الحوكمة.
أكوا (محطة سدير الشمسية)
من أكبر المحطات الشمسية في العالم، تسهم محفظة أكوا في تخفيف الاعتماد على الهيدروكربونات وتقليل تكاليف الطاقة على المنازل والمنشآت التجارية.
مجموعة سافي للألعاب الإلكترونية
استحواذ على شركة سكوبلي (ثامن أكبر ناشر ألعاب في العالم)، ولعبة MONOPOLY GO! صاحبة أسرع إنجاز إيرادي لأي لعبة جوّال في التاريخ. تضم استوديوهات الشركة في الرياض نحو 170 موظفًا بدوام كامل.
لوسيد موتورز
مركبات تُجمَّع في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، حاملة الرقم القياسي العالمي في موسوعة غينيس لأطول مدى للسيارات الكهربائية.
طيران الرياض
أطلقت أولى رحلاتها التجارية في أكتوبر 2025، لتربط المملكة بوجهات العالم عبر ناقل وطني جديد.
الدرعية
وجهة متكاملة متعددة الاستخدامات تضم الثقافة والضيافة والبنية التحتية والمجتمعات السكنية.
مركز الملك عبدالله المالي (كافد)
أول مركز مالي في العالم يحصل على شهادة ModeScore Communities Platinum، وأكبر مشروع متعدد الاستخدامات في العالم حاصل على شهادة LEED-ND Stage 2 Platinum.
التمويل ومشاركة القطاع الخاص
تتبنى الاستراتيجية نهجًا واضحًا لمتابعة الأداء والتوزيع المنضبط لرأس المال، حيث تتم مراجعة وتقييم الاستثمارات والمشاريع بشكل مستمر للتأكد من توافقها مع التوجهات الاستراتيجية ومن جدواها التجارية وقدرتها على استقطاب الشراكات ورأس المال من أطراف أخرى مع مرور الوقت.
ومع تقدّم الصندوق في هذه المرحلة، من المتوقع أن تتغير آليات تمويل نمو شركات المحفظة الاستثمارية. فسيتم دعم التوسّع بشكل متزايد عبر مصادر تمويل متنوعة، تشمل رأس المال المملوك للصندوق، والأرباح المُبقاة، والاستثمارات الخاصة المحلية والدولية.
يُسهم هذا النهج في إعادة تدوير رأس المال، وتعزيز كفاءة ميزانية الصندوق، ودعم انتقال الأصول من نموذج تطوير يقوده القطاع العام إلى نموذج نمو بقيادة القطاع الخاص، وهو ما يفسر التركيز المتكرر في الوثيقة على الشراكات وسلاسل الإمداد المحلية وبرامج تطوير الموردين.
قياس الأداء والقيمة المستدامة
بصفته جهة استثمارية تركز على الاستثمار طويل المدى، لا يُقاس أداء الصندوق على أساس النتائج الربعية، بل بما يحققه عبر الأجيال. فالعوائد المالية تبقى عنصرًا أساسيًا، غير أنها ليست المعيار الوحيد للأداء. يُقيّم الصندوق نجاحه بكونه مستثمرًا على المدى الطويل، ومحفزًا للتنمية الوطنية، وجهة موثوقة لإدارة الثروة الوطنية.
تستند قرارات تخصيص رأس المال، وبناء المحفظة الاستثمارية، ومتابعة أداء الاستثمارات إلى منهجيات مالية تشمل النتائج المالية، وجودة المحفظة، والمساهمة الاقتصادية الأوسع، بما يتناسب مع مستوى المخاطر المقبول لدى الصندوق والتزامه بتحقيق قيمة مستدامة عبر مختلف دورات السوق.
كما يتم النظر في الأثر الاقتصادي والاجتماعي في سياق تنويع الاقتصاد، وزيادة الأنشطة الاقتصادية غير النفطية، والتوطين، بما يضمن انسجام الأداء المالي مع الأثر الوطني.
الحوكمة والاستدامة: من 28% إلى 100% خلال خمس سنوات
مؤشر الحوكمة والاستدامة والمرونة (GSR) الصادر عن مؤسسة Global SWF.
المصدر: مؤشر الحوكمة والاستدامة والمرونة (GSR) الصادر عن مؤسسة Global SWF، كما ورد في وثيقة الاستراتيجية.
حقق الصندوق المرتبة الأولى عالميًا بين صناديق الثروة السيادية على هذا المؤشر لعام 2025. يشمل هذا التقييم أكثر من 200 صندوق ثروة سيادي وصناديق معاشات تقاعدية حكومية حول العالم، ما يعكس مدى توافق الصندوق مع أعلى معايير الشفافية والاستثمار المسؤول والالتزام بالممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات.
خاتمة: لكل مرحلة أهداف تحدد حسب المعطيات
تقدّم استراتيجية 2026-2030 نفسها كامتداد طبيعي لمسيرة الصندوق منذ التأسيس، وليست بداية جديدة منفصلة. الوثيقة تربط هذا التحول بثلاثة مبادئ واضحة: الكفاءة، وتكامل المنظومات، وتمكين القطاع الخاص، وتدعمها بسبعة أهداف استراتيجية، وست ركائز استثمارية، وأمثلة تفصيلية من أداء شركات المحفظة الفعلي حتى تاريخ إصدار الوثيقة.
