المرابحة هي من أكثر صيغ التمويل الإسلامي استخدامًا في البنوك والمؤسسات المالية حول العالم. الفكرة الأساسية بسيطة في ظاهرها لكنها دقيقة في تفاصيلها: بدلًا من أن يُقرضك البنك المال لتشتري به سلعة — وهذا ربا محرم شرعًا — يقوم البنك نفسه بشراء السلعة أولًا، ثم يبيعها لك بسعر أعلى مع تأجيل الدفع. الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع هو هامش الربح المُعلَن والمتفق عليه مسبقًا بين الطرفين.
تخيل أنك تريد شراء معدات لمشروعك بـ 80,000 ريال ولا تملك السيولة الكافية. تذهب إلى بنك إسلامي، يشتري البنك المعدات من المورد، ثم يبيعها لك بـ 92,000 ريال على أقساط خلال عامين. الـ 12,000 ريال هي ربح البنك المشروع، لأنه تحمّل مخاطرة الملكية ولو لفترة وجيزة قبل أن يبيع لك. هذا الفارق الجوهري — تحمّل مخاطرة الملكية — هو ما يميز المرابحة عن القرض بفائدة.
لكي تكون المرابحة صحيحة شرعًا، لا بد من توفر شروط جوهرية لا تقبل التساهل. أولًا: يجب أن يمتلك البنك السلعة فعلًا قبل بيعها — “لا تبع ما ليس عندك” كما جاء في الحديث النبوي. ثانيًا: يجب أن يكون الثمن الأصلي والربح معلومَين للطرفين، لأن الجهالة في الثمن تفسد العقد. ثالثًا: يجب أن تكون السلعة مشروعة في ذاتها. رابعًا: لا يجوز للبنك مضاعفة الربح عند التأخر في السداد — وإن كانت كثير من المؤسسات تشترط غرامة تأجير توجَّه للأعمال الخيرية لا لخزينتها.
في التطبيق المصرفي المعاصر، الشائع هو “المرابحة للآمر بالشراء”: يطلب العميل من البنك شراء سلعة بعينها ويعد بشرائها منه بعد ذلك. هذا الوعد ملزم أخلاقيًا وقانونيًا في كثير من الأنظمة. التطبيقات تشمل تمويل العقارات، السيارات، المعدات الصناعية، البضائع التجارية. بعض البنوك تستخدم المرابحة أيضًا في تمويل رأس المال العامل عبر شراء سلعة دولية وبيعها.
من منظور المحاسبة، يُعالَج عقد المرابحة في القوائم المالية للبنك الإسلامي وفق معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، أو وفق IFRS 9 في بعض الولايات القضائية. يُثبَّت المبلغ المستحق كأصل مالي، ويُوزَّع الربح على فترة التمويل وفق مبدأ الاستحقاق. للمحاسب العامل في مؤسسة إسلامية، فهم المرابحة ومعالجتها المحاسبية الصحيحة من أساسيات العمل، إذ تمثل هذه الصيغة في كثير من البنوك أكثر من 60% من محفظة التمويل.
صناعة التمويل الإسلامي تجاوزت أصولها عالميًا 2 تريليون دولار، والمرابحة تحتل مركز الصدارة فيها. السبب بسيط: سهولة التطبيق، وضوح الحقوق والالتزامات، وقبولها الواسع لدى العلماء والمؤسسات الرقابية الشرعية. هذا لا يعني أنها مثالية — بعض المنتقدين يرون أن تطبيقاتها الحديثة تقترب من الإقراض بفائدة في نتائجها الاقتصادية، وهذا نقاش شرعي واقتصادي حقيقي ومستمر.