ينسب للرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت قوله “في لحظة اتخاذ القرار، أفضل شيء تفعله هو القرار الصحيح، وثاني أفضل شيء هو القرار الخاطئ، وأسوأ ما يمكنك القيام به هو ألا تقوم بشيء”، ومن المأثور أيضا قولهم: “ما تخسره بالقرار الخاطئ أقل مما تخسره بالتردد”.
ترجمت لكم هذه المرة مقالا عن هذا الموضوع لجوناثان هونج الشريك في “Entrepreneur Ventures” ومستثمر ورائد أعمال خبير، استثمر في أكثر من 250 شركة و50 صندوقا استثماريا، ليحدثنا عن كيف تخلصت من التردد وعالجته لاتخاذ القرارات الاستثمارية.
ضياع فرصة منصة “روبن هود” الشهيرة
يقول هونج: لقد كان ضياع فرصة استثمارية مني درسا قاسيا في فهم تقلبات السوق، وهو ما غير طريقتي في اتخاذ القرارات التجارية تماما، في بداية مسيرتي، تعلمت أن انتظار التأكد من صواب أي فكرة 100% له ثمن باهظ، حينها عرض علي صديق الاستثمار في تطبيق ناشئ للتداول لم يكن له لا أرباح ولا مستخدمين، وبدا سعره مبالغا فيه ولا يعكس واقعه، ولأنني أردت رؤية أرقام وبيانات أكثر دقة، فضلت التريث قليلا لعل الصورة تتضح أكثر، فاتت الفرصة وأصبحت تلك الشركة فيما بعد منصة “روبن هود” الشهيرة للتداول.
كيف تخلصت من التردد؟ قاعدة وان سيجما
ظل هذا القرار يطاردني، فقد أظهر لي تكلفة التردد الفادحة، وعدم واقعية فكرة “الوضوح التام” في البيانات، فالعمل في المراحل المبكرة نادرا ما يوفر معلومات مثالية، واللحظة التي تبحث فيها عن أقصى درجات اليقين هي غالبا اللحظة التي تملك فيها أقل قدر منه.
يضيف هونج: الأسواق تتحرك، والعملاء يتغيرون، والمعلومات التي تنتظرها غالبا لا تظهر إلا بعد فوات الأوان، لهذا السبب يتباطأ التقدم عندما يتعامل القادة مع الشك كسبب للتردد، بينما تميل الشركات الأسرع نموا إلى أن يقودها أشخاص يدركون أن الوضوح يتشكل من خلال العمل لا التحليل، فيتحركون عند وصولهم لمستوى معقول من الاقتناع، وهو ما يمثل جوهر قاعدة وان سيجما.
تستند القاعدة إلى منحنى التوزيع الطبيعي، حيث تمثل “سيجما واحدة” انحرافا معياريا واحدا حول المتوسط، وتعني أنك لا يجب أن تنتظر اكتمال البيانات بنسبة 100%، بل تكتفي بالوصول إلى قدر من المعلومات يجعلك واثقا بنسبة تقارب الثلثين من صحة مسارك.
لا يقين كامل.. عند 70% الوقت مناسب للانطلاق
تستعير هذه القاعدة اسمها من الإحصاء الأساسي لكنها بسيطة في جوهرها، فعندما تشعر بثقة تقارب 70% نحو اتجاه معين، فهذا هو وقت التنفيذ، ولا يعني ذلك التهور أو التفاؤل الأعمى.
يعتبر هذا المنطق فعالا لأنه يتماشى مع واقع العمل في الشركات الناشئة، حيث تفتقر معظم القرارات إلى وجود بيانات كاملة، فالبيئات سريعة النمو تعطي الأولوية للتقدم والتحرك الفعلي على حساب البحث عن الكمال الفكري. وتمنحك هذه القاعدة الإطار المناسب لاتخاذ قرارات سريعة في وقتها الصحيح، دون الوقوع في فخ المخاطرة غير المحسوبة.
كما يقول هونج: يتنكر التحليل المفرط في زي الانضباط، لكنه في الغالب يعكس الخوف، فيؤخر المؤسسون إطلاق المنتجات انتظارا لآراء العملاء المثالية، ويطلب المستثمرون مزيدا من الأدلة حتى بعد الحصول على إجابات عن الأسئلة الجوهرية.
ويضيف: تظهر التكلفة ببطء، يتلاشى الزخم وتضيع الفرص ويسبقك المنافسون، بينما يحول المستثمرون اهتمامهم للمؤسسين الذين يتحركون، والناجحون هم من يتقبلون أن المعلومات الجزئية ليست عيبا، بل يتعاملون مع الغموض كحالة طبيعية لبناء شيء جديد.
بعد استخدام القاعدة كمنهج عمل، استثمرت في شركة روبوتات بناء على تقييم الفريق والفكرة والانسجام مع إطاري العملي، ورغم بقاء كثير من الأسئلة بلا أجوبة، إلا أن النتيجة تجاوزت الحد المطلوب للتحرك.
كنت أعلم أن المؤسس يمتلك العقلية المناسبة وأن المشكلة التي يحلها حقيقية، فكان ذلك كافيا بالنسبة لي، وبعد سنوات، استحوذت شركة “جون دير” على تلك الشركة مقابل 250 مليون دولارـ
تؤكد هذه النتيجة ما تعلمته من ضياع فرصة “روبن هود” فالتصرف عند ثقة 70% ليس مقامرة، بل هو وسيلة منضبطة للمشاركة في فرص نادرا ما تأتي بوضوح تام.
الحركة والتنفيذ يولدان بيانات حقيقية
لا ينبع الحكم الصحيح من الانتظار، بل من المبادرة بمواجهة الواقع ومراقبة النتائج ثم التعديل وفقا لها، فكل نقاش مع عميل أو عملية بيع أولية توفر بيانات جديدة، وتبدأ الرؤية في الوضوح بمجرد التحرك الفعلي، لهذا السبب، نجد أن المؤسسين الذين يتخذون قراراتهم عند وصول نسبة ثقتهم إلى 70% يمتلكون قدرة أسرع على تغيير مسارهم وتطويره، لأنهم يعتمدون على معلومات واقعية لا مجرد توقعات نظرية.
قاعدة وان سيجما وليس الحدس
تحمي قاعدة وان سيجما من التقلبات العاطفية وترسي القرارات في إطار ثابت بدلا من الاعتماد على الغريزة وحدها. كما تساعد في إدارة المحافظ الاستثمارية من خلال تقييم الشركات بانتظام، ما يطور قدرة قوية على تمييز الأنماط وتحديد من يستحق الدعم.
أما بالنسبة للمؤسسين، فتمنحهم القاعدة الإذن للتحرك، فالفريق يمكنه تحمل الشك عندما يتخذ القائد قرارات في وقتها ويتواصل بوضوح، والثقة بنسبة 70% قد لا تبدو مريحة، لكن الراحة ليست شرطا، فالمهم هو أنه بمجرد عبور هذا الحاجز، لا يصبح هناك مكان للتردد.


