من بين مولات الرياض يعجبني كثيرا “ذا فيو” الذي أمر عليه يوميا في طريق ذهابي وعودتي للعمل، هذا الإعجاب نابع من هذه الألفة التي نمت بيننا خلال فترات وقوفي الطويلة على كوبري الخليج المطل على السوق، هذا علاوة على أنه فعلا يحتوي الأماكن التي أفضل زيارتها، من ألعاب الأطفال المتنوعة إلى صالة للبولينج ودار للسينما، إضافة إلى المطاعم والمقاهي والمتاجر الأساسية.
لكن في الواقع وأنا أرى هذا السوق أعجز عن الانعطاف يمينا لزيارته هو أو غيره من الأماكن الجميلة الكثيرة في الرياض بسبب الزحام المروري في العاصمة والتي أصبحت حديث الجميع خلال الأسابيع الثلاثة الماضية بالتحديد مع إغلاق بعض الطرق الرئيسية بهدف التوسعة.
كيف يمكن لسكان العاصمة الذين يقضون – في أحسن الحالات- ساعة ذهابا إلى أعمالهم، وأخرى إيابا منها، أن يعودوا إلى ذات الطرق التي تركوها بعد نهاية أعمالهم وكيف يمكن أن يؤثر هذا على النشاط الاقتصادي.
الإحلال يبقي الأمور كما هي
تتغير خارطة الزحام المروري عالميا حيث تشير تقارير ودراسات مختصة نشرتها شركة غارتنر للاستشارات إلى أن الزحام لم يعد يتركز فقط في “ساعات الذروة” الصباحية نحو وسط المدينة، بل بدأ الزحام يتوزع على مدار اليوم وداخل الأحياء، بدلا من مراكز المدن فقط، وهذا ما يراه كل ساكن في الرياض فعلا، في السابق كنت الطرق الرئيسية ووسط المدينة مثل الملز والعليا هي البؤر التي تشهد ذروة الزحام.
لتفسير هذا، قال لـ”قيود” مختص اقتصادي إن الموظفين القادمين من أعمالهم يميلون للتحرك في حدود أحياءهم ولا يغادرونها عادة خاصة في وسط الأسبوع، كما أن نمو التسوق عبر الإنترنت وتوصيل الطعام أدى إلى زيادة حركة سيارات و”دبابات” التوصيل الصغيرة داخل الأحياء السكنية، وهذا “الميل الأخير” خلق نقاط زحام جديدة لم تكن موجودة سابقا.
أصحاب 3 محلات بأنشطة مختلفة (مقهى، ومحل للحلويات وآخر للورود) تحدثت معهم “قيود” في مكان مزدحم وسط العاصمة قالوا إن أنشطتهم لا تواجه اختلافا ملحوظا في حجم المبيعات، وهنا قال لنا الخبير الاقتصادي: توقفت أنت عن زيارة “ذا فيو” مع زيادة عدد سكان العاصمة إلى نحو 8 ملايين شخص بنهاية العام الماضي، لكن شخص آخر جاء مع هذه الزيادة بدأ يزور السوق، ليسد محلك، إنها أقرب لعملية الإحلال.
وأضاف: لا تتوقع أن يتأثر النشاط الاقتصادي بشدة، يتحول الناس الذي لا يتحملون الزحام إلى أماكن أقرب وينتقل أناس آخرون ليحلوا محلهم في الأماكن التي أصبحت أقل ازدحاما، إنها عملية “إعادة توزيع” طبيعية.
بنفس المنطق، خلصت دراسة شهيرة عن “الاقتصاد الحضري والازدحام” نشرت في مجلة Journal of Urban Economics المهمة في المجال، أن زيادة سعة الطرق لا تقلل الزحام على المدى الطويل، لأنها تخلق طلبا جديدا، مما يعني أن النشاط الاقتصادي يتوسع لملء المساحة الجديدة، وبالتالي تظل التكلفة الاقتصادية للزحام ثابتة أو تزيد، كما أن الزحام يتحول ويتغير من خلال 3 مسارات، فعند تحسين طريق معين، يغير الناس توقيت رحلاتهم، أو وسيلة نقلهم، أو مسارهم، مما يؤدي إلى إعادة توزيع الزحام وتركزه في نقاط جديدة بدلا من اختفائه.
النقطة الحرجة
النصف المليء من الكاس يقول إن الزحام هو ضريبة “النجاح الاقتصادي”، فالشركات تتركز في مكان واحد لزيادة الإنتاجية لكن هذا التركز يصل إلى نقطة حرجة يصبح فيها الزحام “عائدا سالبا” يقلل من جاذبية المدينة للاستثمار.
تقرير صندوق النقد الدولي حول “كفاءة المدن” نشر بعضه في ورقة بحثية بعنوان “The Economic Costs of Gridlock”، قال فيها خبراء الصندوق إن التحول نحو المركزية الرقمية يعد أثرا للزحام على سوق العمل، حيث رصدت الدراسات الحديثة تحول الأنشطة الاقتصادية من “التنقل الفزيائي” إلى “التنقل الرقمي”، حيث بدأت الشركات الكبرى في تقليص مكاتبها في مراكز المدن المزدحمة لتقليل التكاليف التشغيلية الناتجة عن ضياع وقت الموظفين.
انكماش “نطاق السوق”
تبدأ القصة بما يسميه الاقتصاديون في دراساتهم بـ “انكماش حيز السوق” في الحالة الطبيعية، يستهدف المتجر أو المطعم زبائن يقعون في نطاق زمني معين، وليكن 15 دقيقة قيادة. مع تزايد الزحام، تتقلص المساحة الجغرافية التي يمكن تغطيتها خلال هذه الدقائق، فبدلا من الوصول لزبائن على بعد 10 كيلومترات، يصبح المتجر معزولا لا يصل إليه إلا من يسكن في محيط 3 كيلومترات فقط.
تشير دراسة أخرى بعنوان “Slow Traffic, Fast Food” إلى تحول جذري في خيارات المستهلكين، فعندما يشتد الزحام في ساعات الذروة المسائية، يميل الناس إلى إلغاء خطط الذهاب للمتاجر الكبرى لتوفير الوقت، وبدلا من ذلك، يتجهون إلى “الوجبات السريعة” أو المطاعم التي تقع في طريق عودتهم مباشرة.
هذا يعني أن “المطاعم الفاخرة” و”المتاجر المتخصصة” التي تتطلب رحلة خاصة تفقد حصتها السوقية لصالح الكيانات التي تتمتع بمواقع استراتيجية على المحاور الأقل ازدحاما أو تلك التي تعتمد على نموذج التوصيل.
وفقا لبيانات البنك الدولي حول مدن مثل القاهرة وجاكرتا – والتي أزعم أن الرياض حاليا أشد زحمة منهما- ، قد تصل الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للزحام إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالنسبة لمتجر صغير، هذا يعني ضياع هامش الربح تماما بسبب تكاليف الوقود، وتأخر الموظفين، وعزوف الزبائن الذين يفضلون “التسوق عبر الإنترنت” هربا من الاختناق المروري.
تقارير اقتصادية دولية بأن الازدحام المروري بات يشكل “ضريبة تضخمية” تقوض أرباح المتاجر التقليدية، حيث إن تجاوز معدل التأخير المروري لـ 20 دقيقة يقلص “التوقف العفوي” للشراء بنسبة 40%، مع ميل المستهلكين لتجنب الانعطاف وسط الزحام، وتظهر البيانات أن تكاليف “الميل الأخير” استنزفت 53% من ميزانيات الشحن، ما دفع الاستثمارات نحو “المطابخ السحابية” والمستودعات خارج مراكز المدن.
كما أن المتاجر التي لا تملك منصة رقمية قوية تخسر ما يقرب من 20% من حصتها السوقية لصالح المنافسين الذين استثمروا في “المطابخ السحابية” أو المستودعات التي تقع خارج بؤر الزحام، أما الزبون في حالة الزحام الشديد فهو يبرمج عقله على “الوصول للمنزل فقط” ويرفض فكرة الانعطاف يمينا أو يسارا لشراء قهوة أو سلعة كمالية، وهكذا أرى نفسي وأنا أنظر إلى “ذا فيو مول”.


