يشهد الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة بفعل التطور التكنولوجي والاعتماد المتزايد على الحلول الرقمية في مختلف القطاعات. وفي هذا السياق، برز حجم التجارة الإلكترونية ووسائل الدفع الرقمية كأحد أهم مظاهر هذا التحول.
حيث أسهمت في تغيير أنماط الاستهلاك وطرق إتمام المعاملات المالية. وقد انعكس هذا التطور بشكل واضح في المملكة العربية السعودية التي شهدت نموًا ملحوظًا في حجم المعاملات الإلكترونية وانتشار استخدام وسائل الدفع الحديثة. ويهدف هذا التقرير إلى استعراض أبرز المؤشرات والبيانات المتعلقة بنمو التجارة الإلكترونية وتطور وسائل الدفع في المملكة، مع تحليل دلالات هذا التحول وانعكاساته على الاقتصاد الرقمي.
حجم التجارة الإلكترونية
سجل حجم التجارة الإلكترونية باستخدام بطاقات مدى التي تصدرها البنوك في السعودية أعلى مستوى له على الإطلاق خلال شهر يونيو الماضي.
إذ بلغ 10% من إجمالي الإنفاق وذلك بعد النقد الذي استحوذ على 45.6%، والشراء عبر نقاط البيع بـ 44.4 %.
وبحسب بيانات البنك المركزي السعودي تصاعدت التجارة الإلكترونية عبر مدى من 1.8 % في يناير 2020 إلى 5% خلال فترة الحجر العام في المملكة منتصف عام 2020 قبل أن تواصل رحلة الصعود إلى 10% بنهاية الربع الثاني.
وفي سياق ذي صلة، فالمدفوعات عبر القنوات الإلكترونية وهي تمثل التجارة الإلكترونية باستخدام بطاقات مدى.
إضافة إلى الشراء عبر نقاط البيع تجاوزت الدفع النقدي اعتبارا من شهر أغسطس 2021 وتواصل الارتفاع منذ ذلك الحين.
ومن المفارقات التي رصدتها “قيود” في بيانات البنك المركزي مستوى التحول الرقمي في وسائل الدفع والتي أسهم فيها توجه المملكة إلى الرقمنة إضافة إلى تأثيرات الجائحة على أشكال الدفع.
فعلى سبيل المثال خلال شهر يناير من 2020 بلغت قيمة الشراء عبر أجهزة نقاط البيع 28 مليار ريال فيما كان حجم التجارة الإلكترونية باستخدام بطاقات مدى 1.7 مليار ريال.
بينما بلغت قيمة السحوبات النقدية من أجهزة الصرف الآلي والبنوك 63 مليار ريال ، وهو ما انقلب كليا بعد مرور عامين ونصف، ففي يونيو 2022 وهو آخر شهر تتوفر بياناته من “ساما” بلغت هذه القيم 46 مليار ريال، و 10.4 مليار ريال، و 47 مليار ريال على التوالي.
دلالات نمو حجم التجارة الإلكترونية في المملكة
تعكس هذه الأرقام التحول المتسارع في سلوك المستهلكين داخل المملكة العربية السعودية نحو الاعتماد على وسائل الدفع الرقمية والتسوق عبر الإنترنت. فقد أسهمت عدة عوامل في هذا النمو، من أبرزها توسع المتاجر الإلكترونية، وانتشار خدمات الدفع الإلكتروني، إضافة إلى التطور الكبير في البنية التحتية الرقمية.
كما لعبت جائحة كورونا دورًا مهمًا في تسريع هذا التحول، حيث اتجه الكثير من الأفراد والشركات إلى القنوات الرقمية لإتمام عمليات البيع والشراء.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن التجارة الإلكترونية أصبحت عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الرقمي للمملكة، ومن المتوقع أن تستمر في النمو خلال السنوات القادمة مع دعم مبادرات التحول الرقمي وزيادة ثقة المستهلكين في المعاملات الإلكترونية.
التحول نحو الاقتصاد الرقمي
تشير هذه المؤشرات إلى تسارع وتيرة التحول نحو الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية، حيث أصبح الاعتماد على وسائل الدفع الإلكترونية والتجارة عبر الإنترنت جزءًا أساسيًا من النشاط الاقتصادي اليومي.
ويعكس هذا النمو التطور الملحوظ في البنية التحتية الرقمية، وانتشار الخدمات المصرفية الإلكترونية، إلى جانب زيادة ثقة المستهلكين في عمليات الشراء عبر الإنترنت. كما ساهمت السياسات الحكومية الداعمة للتحول الرقمي ومبادرات تطوير قطاع المدفوعات في تعزيز هذا الاتجاه، الأمر الذي يدعم مكانة وحجم التجارة الإلكترونية كأحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في المستقبل.
التجارة الإلكترونية ورؤية السعودية 2030
يتماشى النمو المتسارع في حجم التجارة الإلكترونية مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى بناء اقتصاد رقمي متطور وتقليل الاعتماد على النقد في المعاملات المالية. فقد ركزت الرؤية على تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكترونية، ودعم التحول الرقمي في مختلف القطاعات الاقتصادية.
كما أسهمت المبادرات الحكومية في تشجيع الشركات والمتاجر على تبني الحلول التقنية وتوسيع نشاطها عبر الإنترنت، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على زيادة حجم المعاملات الإلكترونية. ويؤكد هذا التوجه أن التجارة الإلكترونية أصبحت أحد المحركات المهمة للنمو الاقتصادي وتعزيز الابتكار وخلق فرص عمل جديدة في السوق السعودي.



