أحدثت تطبيقات الدفع بالتقسيط ثورة في مفهوم التسوق الحديث، حيث غيرت جذرياً من سلوك المستهلك وطرق إدارة الميزانية الشخصية.
ومع بروز نموذج “اشتر الآن وادفع لاحقاً” كبديل مرن للبطاقات الائتمانية التقليدية، انقسمت الآراء بين من يراها وسيلة فعالة لتخفيف الأعباء المالية وتوزيع المصاريف، ومن يراها محفزاً للإنفاق المفرط والوقوع في فخ الديون الكمالية.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذا القطاع المتنامي الذي بات ركيزة أساسية في التجارة الإلكترونية، ونستعرض التوازن الدقيق بين فوائده الاقتصادية لأصحاب الأعمال ومخاطره المحتملة على الأفراد، خاصة في ظل التنظيمات الجديدة التي تهدف لضبط الإيقاع الائتماني وضمان حماية المستهلك.
تطبيقات الدفع بالتقسيط: بين التمكين المالي وتحديات النزعة الاستهلاكية
تطبيقات الدفع بالتقسيط.. هل تنقذ ذوي الدخل المحدود من البنوك أم تبيعك أشياء لا تحتاجها بأموال لا تملكها؟
عمار موظف حكومي براتب متوسط أقرب إلى المحدود دخل محل لزينة السيارات لشراء بعض الأشياء لسيارته، بذكاء من البائع وتحت إغراء ما يعرف ببرامج “اشتر الآن وادفع لاحقا” وعلى رأسها تابي وتمارا وجد الرجل نفسه يتعاقد على تظليل سيارته بـ 1800 وهو مبلغ لا يسمح لا دخله ولا التزاماته الشهرية به خصوصا لسلعة كمالية.
إثر ذلك بات عمار يرى نموذج تطبيقات الدفع بالتقسيط على أنها نقمة تعزز النزعة الاستهلاكية غير الضرورية وقرر أن يطلق عليه اسم “اشتر الآن وتورط لاحقا”.
هذا طبعا ليس رأي الجميع، فهذا النموذج يشهد طفرة ضخمة ونموا متسارعا من 34 مليار دولار في 2019 إلى 214 مليار دولار بنهاية 2022 وينظر البعض إلى هذه التطبيقات على أنها منقذ لذوي الدخل المحدود فهي تفتح باب التمويل الاستهلاكي – بلا فوائد غالبا – لمستخدمين بعضهم لا يتمتع بملاءة مالية تسمح له بالاقتراض من البنوك أو استخراج بطاقات الائتمان مع صعوبة الحصول عليها وارتفاع تكاليفها وأحيانا رسومها السنوية.
تعززت ظاهرة اشتر الآن وادفع لاحقا بسبب طفرة التجارة الإلكترونية خلال زمن الجائحة.
وأصبحت منتشرة حين حول الناس الإنفاق إلى البيع بالتجزئة وتوجهوا بشكل أكبر إلى التسوق عبر الإنترنت.
الانتقادات
نقاد تطبيقات الدفع بالتقسيط ينظرون لها على أنها خالية من التنظيم واختلط فيها النشاط التجاري بالنشاط التمويلي.
تحول نظام “اشتر الآن وادفع لاحقا” من منتج سريع النمو وناشئ إلى شكل من أشكال الاقتراض غير المنظم يتم استخدامه على نطاق واسع. وهي تشجع المستهلكين ذوي الدخل المحدود وخصوصا فئة الشباب على شراء أشياء لا يحتاجون إليها بأموال لا يملكونها.
وتسهل الإنفاق المفرط، بل إن 38% ينفقون أكثر من المخطط له بوجود هذه الخدمة.
الانتشار
تقرير حديث كشف عن استخدام نصف المستهلكين في السعودية خيار “اشتر الآن، وادفع لاحقا” عبر الإنترنت كما أن 5 من أصل التطبيقات الـ 10 الأكثر تحميلا تتعامل مع شركتي تابي وتمارا، مثل تطبيق “شي إن” و “نون” و “جرير”.
التنظيمات الجديدة
في السعودية أعلن البنك المركزي، طرح مشروع قواعد تنظيم شركات الدفع الآجل” لطلب مرئيات العموم عبر منصة “استطلاع” لوضع معايير تسهم بنمو النشاط واستدامته.
دون إغفال لمبادئ وقواعد حماية عملاء المؤسسات المالية وحقوقهم. وتتضمن القواعد حصر تقديم الخدمة على المتاجر التقليدية والالكترونية المرخصة، على أن يبلغ الحد الأقصى الائتماني الممنوح لكل عميل 5 آلاف ريال لكل عملية شراء.
بمدة سداد لا تتجاوز 6 أشهر، كما يحظر النظام على الشركات تقديم الخدمة لأي شخص يقل عمره عن 18 عاما.
ويمنع أن تزيد غرامات التأخير عن قيمة قسط واحد ويكون رأس المال المطلوب لتأسيس شركة في هذا المجال هو 5 مليون ريال، والحد الأعلى لتمويلها 20 ضعف رأس المال والاحتياطيات.
ما الذي تقدمه تطبيقات الدفع بالتقسيط لأصحاب الأعمال؟
تقول كل من تمارا وتابي أنهما تحققان للعميل ما يريد وتساعدان الشركات على النمو، فتمارا سجلت 40 % زيادة في متوسط قيمة السلة لكل عميل وقللت من “الدفع عند الاستلام” بنحو 15% وبالتالي أسهمت في تقليل أخطار عدم التزام العميل باستقبال المنتج والدفع.
فيما أعلنت تابي أن زيادة متوسط قيمة الطلب لديها وصل لـ 33% كما أن معدل الزيادة في تكرار عمليات الشراء تجاوز 40%.
وفي السعودية يراوح متوسط العمولة الذي تتقاضاه شركات “اشتر الآن وادفع لاحقا” من التاجر ما بين 5-13% وذلك بحسب الفئة والمخاطر.
ورغم عدم تقاضي الشركات فوائد من العميل إلا أنها تفرض رسوم على التأخير عن السداد.
الأثر الاستراتيجي لـ تطبيقات الدفع بالتقسيط على نمو المتاجر
لا تقتصر فائدة تطبيقات الدفع بالتقسيط على تقديم تسهيلات للمستهلكين فحسب، بل تمتد لتكون أداة تسويقية ونمو قوية للتجار وأصحاب العلامات التجارية.
فمن خلال خفض حاجز الشراء الأولي، تساهم هذه التطبيقات في رفع معدلات التحويل (Conversion Rates) بشكل ملحوظ داخل المواقع الإلكترونية، حيث يميل العميل لاتخاذ قرار الشراء بسرعة أكبر عند تقسيم المبلغ على دفعات بدون فوائد.
بالإضافة إلى ذلك، ساعدت هذه الحلول في تقليل الاعتماد على خدمة “الدفع عند الاستلام” التي كانت تشكل عبئاً لوجستياً ومخاطرة مالية للمتاجر بسبب احتمالية استرجاع الطلبات.
إن زيادة متوسط قيمة السلة وتكرار عمليات الشراء تعزز من التدفقات النقدية للمتاجر، مما يبرر العمولات التي تتقاضاها شركات التقسيط مقابل تحمل مخاطر الائتمان وتحصيل المبالغ.


