مع حلول شهر سبتمبر وبداية العام الدراسي، تبرز تحولات ملموسة في توجيه السيولة النقدية، حيث تعيد الأسر ترتيب أولوياتها المالية لتلبية متطلبات التعليم.
ورغم الانخفاض الطفيف في إجمالي الصرف مقارنة بأشهر الذروة، إلا أن بعض القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع الخدمات، تظل محافظة على زخمها وقيمتها السوقية.
إن فهم هذه التقلبات الموسمية، المرتبطة بالتقويمين الهجري والميلادي، يساعد المستثمرين وصناع القرار على التنبؤ بحركة السيولة وتوجيه العروض التسويقية بما يتناسب مع احتياجات المستهلك المتغيرة.
تحولات الإنفاق الاستهلاكي: كيف يعيد موسم العودة للمدارس تشكيل سيولة القطاعات؟
شهر سبتمبر يشهد بداية العام الدراسي في السعودية وفي العالم بشكل عام. لكنه يتميز بأنه يشهد انخفاضًا بسيطًا في مقدار الصرف الاستهلاكي مقارنة بأغسطس وأكتوبر، ويعزى هذا إلى التفات الأسر وهي المحرك الأكبر للإنفاق إلى الاهتمام ببداية الدراسة وما يرافقها من تغير في نمط الحياة.
مثلاً في أغسطس 2022 بلغ الإنفاق عبر كل من السداد النقدي، ونقاط البيع، والتجارة الإلكترونية باستخدام مدى، نحو 107 مليار ريال، ثم انخفض إلى 104 في سبتمبر قبل أن يعاود الصعود إلى 105 مليار في أكتوبر. 0
أين ذهب الإنفاق؟
أما من حيث المبالغ المصروفة فقد استحوذ قطاع المشروبات والأطعمة على 15% من المبيعات بمبلغ وصل إلى 7.1 مليار ريال من إجمالي الصرف في السعودية خلال هذا الشهر والذي وصل إلى 47 مليار ريال وهو الرقم المحتسب باستخدام نقاط البيع التي تعد الطريقة الوحيدة لاكتشاف كيف تتوجه سيولة الإنفاق إلى القطاعات.
أما القطاع الثاني الذي شهد أكثر صرف فكان المطاعم والمقاهي بنحو 14% من الإجمالي، وبمتوسط 36 ريالا للفاتورة الواحدة.
هل المواسم ثابتة؟
ويتفاوت القطاع الذي يصرف فيه السعوديين الجزء الأكبر من أموالهم تبعا للشهر.
ولكنه لا يأخذ نمطا معينا لإن المواسم الهامة وهي رمضان والأعياد تتبع الأشهر الهجرية وهي بطبيعة الحال تتحرك كل عام.
فموسم رمضان الذي صادف شهر يوليو قبل 10 أعوام يدخل العام المقبل في 11 مارس.
ورغم أن قطاع الخدمات كان في المرتبة الثالثة من حيث الإنفاق عليه من قبل السعوديين بـ 11% من الإجمالي إلا أن الفاتورة الواحدة فيه بلغت ضعف فاتورة قطاع المشروبات إذا ناهزت الـ 66 ريالا.
تحليل القيمة التشغيلية في قطاع الخدمات مقابل السلع الاستهلاكي
يظهر الأداء المتميز لـ قطاع الخدمات خلال شهر سبتمبر دلالة هامة على نوعية الإنفاق السعودي؛ فبالرغم من حلوله في المرتبة الثالثة من حيث إجمالي المبالغ المصروفة، إلا أن ارتفاع قيمة الفاتورة الواحدة لتصل إلى 66 ريالاً (ضعف قطاع المشروبات) يشير إلى أن المستهلك يوجه سيولته نحو خدمات ذات قيمة مضافة عالية.
يشمل هذا الإنفاق خدمات الصيانة المنزلية، والنقل، والخدمات التعليمية والتقنية التي تزداد الحاجة إليها مع انطلاق المدارس.
هذا التباين يؤكد أن قطاع الخدمات يعتمد على جودة ونوعية الخدمة المقدمة أكثر من اعتماده على حجم المعاملات المتكررة، مما يجعله قطاعاً مرناً وقادراً على تحقيق هوامش ربح جيدة حتى في فترات الهدوء النسبي للصرف الاستهلاكي العام.
تأثير حركة المواسم الهجرية على استدامة قطاع الخدمات
إن عدم اتخاذ الإنفاق نمطاً ثابتاً بسبب تحرك المواسم الكبرى مثل رمضان والأعياد يفرض تحدياً وفرصة في آن واحد لـ قطاع الخدمات.
فدخول شهر رمضان في مارس بدلاً من شهور الصيف يغير كلياً من طبيعة الخدمات المطلوبة؛ حيث تزداد الحاجة لخدمات الضيافة والتجهيزات المنزلية واللوجستية في توقيتات مختلفة كل عام. هذا التذبذب الموسمي يتطلب من الشركات العاملة في قطاع الخدمات مرونة عالية في إدارة الموارد البشرية والعمليات التشغيلية لمواكبة قفزات الطلب المفاجئة.
ومع استمرار نمو استخدام نقاط البيع والتجارة الإلكترونية، يصبح من السهل تتبع هذه التغيرات لحظياً، مما يتيح للقطاع الخاص مواءمة خدماته مع “النبض الاستهلاكي” للمجتمع السعودي الذي يوازن بدقة بين متطلبات المواسم الدينية والالتزامات التعليمية السنوية.


