بورصة السلع العالمية: القمح في مجالي المطاعم والمخبوزات

تعد الحبوب الغذائية، وعلى رأسها القمح، المحرك الأساسي لاستقرار الأمن الغذائي العالمي، وهو ما يجعل من مراقبة تحركاتها في بورصة السلع أمراً حيوياً للدول والمستثمرين على حد سواء.

فقد شهدت الأشهر الأخيرة تقلبات حادة تأثراً بالنزاعات الجيوسياسية في منطقة حوض البحر الأسود، والتي تعد سلة غذاء العالم.

ومع بروز مبادرات دولية لتسهيل حركة التجارة، بدأت الأسواق في استعادة توازنها تدريجياً، إلا أن تحديات المناخ وتراجع مساحات الحصاد لا تزال تفرض ضغوطاً مستمرة على سلاسل الإمداد، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لضمان تدفق السلع الأساسية بأسعار عادلة ومستقرة.

تذبذب أسعار القمح: مخاوف العرض والطلب تعيد صياغة المشهد في بورصة السلع

ارتفعت العقود الآجلة للقمح إلى 330 دولارا للطن في نهاية أغسطس – نحو 8 دولارات للبوشل وهي الوحدة القياسية للقمح – منتعشة من أدنى مستوى في 9 أشهر عندما لامست 315 دولارا للطن في منتصف الشهر الماضي بسبب مخاوف العرض والطلب المتزايد.

ومنذ اتفاق إسطنبول في نهاية يوليو والذي سمح لأكثر من 30 سفينة محملة بالحبوب بالإبحار من أوكرانيا إلى مختلف أنحاء العالم بات القمح يتداول عند مستويات ما قبل الحرب الروسية الأوكرانية أي بين 320 و 340 دولار للطن.

وهو أقل بأكثر من 100 دولار عن المستوى القياسي التاريخي الذي بلغه خلال الأشهر الماضية تأثرا بالحرب، لكنه ما زال بعيدا عن قيمه المنخفضة في عامي 2020 و 2020 حينما بلغ أقل من 200 دولار للطن.

وأظهرت بيانات حكومية أن أوكرانيا ستحصد ما يقرب من 20 مليون طن من القمح هذا العام، انخفاضًا من 32.2 مليون في العام السابق بسبب انخفاض المحاصيل وفقدان الأراضي الزراعية لصالح روسيا.

وتتوقع أوكرانيا بيع أكثر من 20 مليون طن من الحبوب الأخرى التي تراكمت في صوامع الموانئ منذ بدء الحرب في 24 فبراير، وتأمل في إفراغ مساحة التخزين للحصاد القادم. وفي الوقت نفسه أدت موجات الحر في الولايات المتحدة إلى انخفاض محاصيل الذرة مما زاد من الضغط على إمدادات القمح.

وروسيا التي تواجه مشاكل في تسويق منتجاتها هي أكبر مصدر للقمح تليها الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وأوكرانيا وأستراليا والأرجنتين.

وشكلت أوكرانيا وروسيا البلدان المتحاربان منذ 6 أشهر ما يقرب من 30 ٪ من صادرات القمح العالمية في بورصة السلع.

تأثير التغيرات المناخية على توازن بورصة السلع

لا تقتصر الضغوط في بورصة السلع على العوامل السياسية فحسب، بل تلعب الظروف المناخية القاسية دوراً حاسماً في تحديد اتجاهات الأسعار.

فقد أدت موجات الحر والجفاف غير المسبوقة في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا إلى انخفاض ملحوظ في إنتاجية محاصيل الذرة والحبوب الأخرى، مما دفع المستهلكين للبحث عن القمح كبديل علفي أو غذائي، وهو ما زاد من شدة الطلب.

هذا الضغط المناخي يتزامن مع فقدان أوكرانيا لمساحات شاسعة من أراضيها الزراعية، مما يعني أن المعروض العالمي سيظل تحت المجهر لفترة طويلة، وسيبقى سعر الطن مرشحاً للتقلب بناءً على تقارير الحصاد الدورية التي تصدرها القوى الزراعية الكبرى مثل كندا وفرنسا وأستراليا.

الآفاق المستقبلية واستراتيجيات التخزين العالمية

إن رغبة أوكرانيا في إفراغ صوامع التخزين لاستقبال الحصاد الجديد تعكس سباقاً مع الزمن لضمان تدفق السيولة النقدية وتأمين مساحات كافية، وهو ما يراقبه الفاعلون في بورصة السلع بدقة.

فعمليات البيع المكثفة لأكثر من 20 مليون طن من الحبوب المتراكمة قد تساهم في تهدئة الأسعار مؤقتاً، لكن استمرار الصعوبات اللوجستية التي تواجهها روسيا كأكبر مصدر للقمح يضع قيوداً على وفرة المعروض الإجمالي.

ومن المتوقع أن تتجه الدول المستوردة الكبرى نحو تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية وبناء صوامع جديدة لتقليل التأثر بالهزات السعرية المفاجئة، مما قد يخلق نمطاً جديداً من الطلب المستمر يحافظ على الأسعار فوق مستويات ما قبل عام 2020 لفترة غير محددة.

بورصة السلع العالمية
سعر القمح على مدى السنوات الخمس الماضية – بوحدة البوشل
0%

كتب بقلم

وسوم ذات صلة

شارك هذا المحتوى

أحدث المقالات

أعلى المقالات